fbpx

المشاهد نت

نجاحات رغم معاناة النزوح.. “معمارية” ترسم فنًا على أيدي النساء

نجاحات رغم معاناة النزوح.. “معمارية” ترسم فنًا على أيدي النساء

القاهرة – آية خالد
صنفت منظمة العون الدولية اليمن أسوأ بلد للعيش بالنسبة للنساء، وكل يوم الوضع يزداد سوءًا، ولذلك لجأت كثير من النساء لمشاريع صغيرة بحسب إمكانياتهن؛ لتعينهن على العيش، فتنوعت هذه المشاريع بين الحرف اليدوية والمطابخ المنزلية وصناعة البخور والعطور وغيرها.

البعض منهن قررن النزوح الداخلي بحثًا عن فرص عمل، وأُخريات قررن اللجوء بحثًا عن الأمن والأمان والاستقرار، وقصتنا لواحدة من اللاتي قررن مغادرة البلد، وهي شابة يمنية تعمل في نقش الحناء، وهي موهبة لديها منذ الصِغر، احترفتها وجعلت منها مصدر رزق لها، وبإتقانها وتفننها نالت استحسان الجميع، وحققت شعبية كبيرة في صنعاء، ومؤخرًا انتقلت للعيش في العاصمة المصرية القاهرة، وأكملت عملها هنا.

“مهما تغربتَ، بلدك تظل بلدك، ويظل أهلك وأصدقاؤك بجانبك ولا تشعر أنك وحيد، ويوم واحد بالغربة يعلمك ما لم تتعلمه سنين في بلدك”، هكذا استهلت حديثها نورا عبد العليم العبسي، 30 سنة، خريجة هندسة معمارية، أو كما يعرفها الجميع باسمها الفني: نورا عبود.

ولدت نورا في تعز وعاشت فيها ثلاث سنوات، ثم انتقلت برفقة والديها إلى محافظة ذمار؛ نظرًا لظروف عمل والدها، وعاشت بقية طفولتها هناك، وحياتها الجامعية أيضًا.

تنتمي نورا لأسرة يعمل والدها محاسبا ووالدتها معلمة، وهي الأخت الكبرى لولدين وخمس فتيات، إحداهن تعمل في الخياطة والأخرى في النقش، وتدعمها أسرتها في قراراتها الشخصية، وهذا ما جعل منها فتاة قوية قادرة على البقاء في كل الظروف بحسب قولها.
 
تنمية الموهبة
لاحظ والدا نورا عليها موهبة الرسم والنقش من صغرها، وعملوا على تشجيعها، فكانت ترسم على أيدي صديقاتها في المدرسة.

تقول نورا: “كنت أحب النقش والرسم، حتى في الأعياد كنت أنقش كل الجيران بالمجان، وأي فتاة أو امرأة معها مناسبة تكلمني أنقشها، من حبهم وإعجابهم برسمي، ولكن لم يخطر ببالي أبدا أني سأتخذها مهنة يوما من الأيام”.
 
صُدفة الهندسة المعمارية

تعلقت نورا بمجال الهندسة المعمارية منذ صغرها، والسبب أن جدها كان مقاولا وكانت تناديه بالمهندس، وتمنت لو أنها تصبح مثله مستقبلا.

وتوضح: “عندما سجلت في جامعة ذمار، كان معدلي 80% ولا يؤهلني لدخول قسم الهندسة، فسجلت في قسم الحاسوب، وبالصدفة نزلوا لائحة جديدة بأن الهندسة معدلاتها تبدأ من 80%، فلم تسعني الفرحة حينها”.

وتُضيف: “كنت الفتاة الوحيدة في القسم، وبعدها انضمت لي 13 طالبة من كلية أخرى، لكنهن لم يصمدن كثيرًا وحوّلن إلى تخصصات أخرى، وبقيت أنا وزميلة أخرى فقط في القسم”.
 
بين الهندسة والنقش

خلال دراستها الجامعية بدأت نورا بالعمل مُنقِّشة في ذمار؛ لتعيل نفسها ومصاريفها الجامعية، وبدأت تعتمد على ذاتها كليًا.

أكملت نورا دراستها الجامعية وبدأت تبحث عن عمل في تخصصها، ولكنها لم تجد، فوجدت فرصة عمل مكتبي في الحديدة عام 2013م، فانتقلت للعيش فيها، وبقيت هناك حتى عام 2015م، وتركت العمل، وعادت لذمار، ومن ثم لصنعاء.
 
تأثير الحرب
تؤكد نورا: “قررت الذهاب لصنعاء للبحث عن أي عمل يمكنني من العيش، خصوصا خلال الحرب التي أُقفلت فيها أغلب المكاتب الهندسية، ولم أجد أي عمل في مجالي، فعدتُ للنقش وبدأت بعمل صفحة بالفيسبوك أنشر فيها أعمالي، ولقيت إقبالا كبيرا بمساعدة بعض الصديقات، والحمد لله كوّنت اسمي في فترة وجيزة بحبي وإتقاني لعملي”.

الجميع يترك البلد
قررت نورا أن تبدأ مشروعها الخاص، وفتحت محلا مخصصا للنقش في صنعاء، وتوسعت دائرة عملها أكثر وازدادت شهرة، وذاع صيتها، ولكن كما تقول: “الوضع في اليمن بفعل الحرب يتراجع كل يوم للخلف، فوجدتُ أن دائرة عملي توقفت على أُناس محددين، والسبب أن الأغلب يغادر البلاد؛ لأن العيش في اليمن أصبح صعبا جدًا، فبدأت تدور في رأسي فكرة الخروج لبلد آخر، وبدأت أدرس الفكرة بجدية أكثر”.
 
البحث عن الأمان

انضمت نورا لقرابة مليون يمني في مصر بحسب إحصائية لمبادرة “خذ بيدي. من حقي أن أتعلم”، وبدأت ترتب وضعها في العاصمة المصرية، وتوضح: “نشرتُ على صفحتي في الفيسبوك وصفحة النقش أنني وصلت مصر، وطلبت من المتابعين أن يضعوا تنبيهات لأصدقائهم بمصر، والحمد لله لقيتُ تجاوبا. صحيح أنه لم يكن بالشكل المطلوب، ولكن الحمد لله”.

وتؤكد نورا: “”قرارك بترك بلدك وأهلك وذكرياتك ليس بالسهل، لكن الوضع ضاق جدًا، فكان لا بد أن أبحث عن أُفق يطور وينمي مهاراتي في الرسم والنقش وتوسيع دائرة عملي، وتركت أختي تعمل في المحل بصنعاء”.

بينما تمارس نورا مهنة النقش والرسم بالحناء في مصر، تبحث أيضًا عن عمل بشهادتها الجامعية في الهندسة المعمارية؛ لأن عملها الحالي موسمي ومحدود الدخل.
 
المرأة واللجوء
فكرة مغادرة البلد أمر في غاية الصعوبة لدى كثير من الأسر والشباب عامة، اللجوء وبدء حياة جديدة من الصفر يعدّه البعض عبئا على عاتقهم، ويرى عدد من الاختصاصيين الاجتماعيين أن اللجوء بالنسبة للنساء أشد صعوبة من الرجال، لا سيما إذا كانت بمفردها، فهذه مغامرة كبيرة بالنسبة لها، فهي بحاجة لمجتمع آمن وبيئة تتقبلها، وإحاطة بجو من الأسرة والأصدقاء.

تؤكد نورا هذا موضحة: “أنا لولا أصدقائي هنا، لكانت أيامي يشبه بعضها بعضا، ولعشت حياة روتينية قد تقتل حماسي للحياة، وتدخلني باكتئاب طويل، خصوصا في الأوقات التي لا أعمل فيها”.

وتضيف: “اعتمدتُ على نفسي منذ وقت مبكر من عمري، وتعودت على أن أكون وحدي، بفضل ثقة كبيرة مُنحت لي من أهلي، والحمد لله كل يوم أثبت لنفسي ولهم أنني بقدر الثقة، والحمد لله أحب أي عمل أقوم به، وفخورة جدًا بنفسي وعملي؛ لأن كل رسمة ترتسم محملة بحبي لمهنتي وشغفي لفني الذي أمارسه دون قيود”.
 
بين القلق والاكتئاب
منى الذبحاني اختصاصي نفسي إكلينيكي ترى أن قلة قليلة من النساء تكون مُعدة عند خروجها من البلد لتعتمد على نفسها، وهذا يشكل على المرأة عبئا كبيرا، وعادة تكون هذه المرأة معرضة للقلق أكثر من الاكتئاب؛ لأنها تفكر بأسوأ السيناريوهات التي قد تحدث”.

وتُشير الذبحاني: “إلى أن المرأة غير المؤهلة تكون لديها مشاكل في معتقداتها عن نفسها بالغالب، ونحن مجتمع يجعل من المرأة اعتمادية على الآخرين، وقناعاتها عن نفسها لا تساعدها على مواجهة مشاكل الحياة، وهذا يُسبب لها إحباطات كبيرة إذا واجهت مواقف ولم تستطع مواجهة هذه المواقف بقوة، وتعجز عن اتخاذ قرارتها بشجاعة، وكثرة الإحباطات هذه تؤدي لأعراض القلق أو الاكتئاب”.

وتضيف الذبحاني: “وعادة المرأة التي ستترك البلد في وضع الحرب القائم في اليمن تكون امرأة مرت بتجربة صادمة نفسيًا مثل: انهدام بيتها، تهديد وقع عليها أو على أسرتها…إلخ، وهذه التجارب كلها تجارب مهددة للحياة، تجارب تجعل من الشخص يعاني كثيرا، إذ لم يستطع تخطيها خلال اضطرابات ما بعد الصدمة، وهذه الاضطرابات تظهر بعد 6 أشهر، أو سنة وأحيانًا أكثر، فالشخص الذي يمر بوضع يقربه من الموت لا يتعافى منه تمامًا”.
 
كونوا أنتم

ترى نورا أن كل إنسان بهذا الكون قادر على أن يحدث التغيير في ذاته ما لم تعقه قيود وأفكار لا تشبهه، ولا تنتمي له، وتفيد: “شخصيًا أحاول الابتعاد عن أي شيء يقيّد حريتي؛ لأن عملي بحاجة لطاقة ذهنية وجسدية، وسلاسة في التعامل مع الناس”.

تتمنى نورا مع الوقت أن توسع دائرة عملها، وتدخل في مجالات الرسم والنقش بعمق أكثر غير الرسم على الأيدي، وأن تكون قادرة على أن تعطي كل من حولها الدعم المادي والمعنوي وأن تخلق فرصا جميلة لأمثالها من الشباب.

وفي الختام تشير نورا إلى أن مصر هي خيار موفق لكل من فيها، وأقرب بلد لطبيعة وبيئة اليمنيين، وتتمنى الأمن والسلام لليمن، وتقول: “ولولا الحرب والدمار، لما كنا تغربنا وغادرناها”.

(أُنتجت هذه المادة ضمن مشروع غرفة أخبار الجندر اليمنية الذي تنفذه مؤسسة ميديا ساك للإعلام والتنمية).

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة