تعز- سامي عبدالعالم:

  “أصبح الوضع في اليمن معقدًا وخارجًا عن السيطرة”. هكذا أعلن وزير خارجية إيران حسين أمير عبداللهيان، لنظيره الهولندي، مضيفًا أن الوضع ليس في صالح دول المنطقة.

تصريحات إيران، تأتي في ظل مؤشرات مقلقة وتصعيدية، وبعد انتكاسة ملحوظة لحملة حوثية شرسة استهدفت اجتياح مأرب، دعمتها طهران بكل ثقلها.

في زيارته إلى قطر، أواخر الأسبوع الثالث من فبراير 2022، أكد الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، أن المسار التصعيدي لبلاده في الملف اليمني، يعتمد على إنهاء “الاحتلال في اليمن”، حد وصفه، في إشارة إلى التحالف العربي الذي تقوده السعودية، والذي تدخل في اليمن منذ عام 2015، بطلب من الحكومة اليمنية.

وفي ما يبدو، كان لمعركة شبوة في تحرير مديريات بيحان الثلاث، وتحرير مديرية حريب جنوب مأرب، ودحر جماعة الحوثي بواسطة قوات العمالقة الجنوبية، وإسناد من التحالف العربي،  وقع بليغ، وقلصت الخطر الحوثي على مأرب. وتأمل واشنطن أن تكون الهزيمة التي منيت بها جماعة الحوثي، وحجم خسائرها في تلك المعركة، دافعًا لإقناعهم بفشل الخيار العسكري.

غير أن إيران، ومن خلال الحرس الثوري، تنشط بكثافة في العراق لبحث خيارات خطيرة لتعويض خسائر الحوثيين بمقاتلين شيعة من خارج اليمن. ومن شأنها تأجيج الحرب في اليمن، وقد تكون بمثابة أشعال مواجهة عاصفة بين شيعة وسنة المنطقة، في ضوء تقارير جديدة كشفت عزم إيران إرسال مقاتلين شيعة إلى اليمن.

خسائر الحوثيين

   المعارك الميدانية حاليًا تمضي بوتيرة هادئة عما كانت عليه خلال يناير المنصرم، حيث تم الإعلان من جانب التحالف عن انطلاق عملية عسكرية لاستعادة مديريات بيحان من سيطرة الحوثيين، وتحرير حريب. نجحت العملية في تحقيق أهدافها خلال أقل من شهر واحد.

في منتصف فبراير 2022، وخلال مشاركته في مؤتمر أكاديمي لمركز دراسات النزاع والعمل الإنساني القطري، في الدوحة، قال المبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن تيموثي ليندركينغ، إن “الخسائر الأخيرة للحوثيين يجب أن توضح لهم فشل الحل العسكري في اليمن”، مضيفًا أن “هجومهم في مأرب هو المعرقل الرئيسي لجهود السلام في اليمن”. ليندركينغ حذر من استمرار الأفعال العدائية والتصعيدية الأخيرة ضد المدنيين اليمنيين ودول الإقليم والمجتمع الدولي.

  ورغم خطاب واشنطن وتحذيرات المجتمع الدولي، تبحث طهران عن سبل جديدة لمساعدة الحوثيين في اليمن على تجاوز خسائرهم الكبيرة التي وصلت حد الاستنزاف، والعودة إلى تصعيد هجماتهم على مأرب.

على الجانب الآخر، يبدو أن ضغوطًا خارجية على التحالف والحكومة، قد أوقفت التقدم الواسع لقوات العمالقة الجنوبية عند حدود معينة على خارطة الصراع، والاكتفاء بكسر عنفوان جماعة الحوثي، وفك الضغط عسكريًا عن مدينة مأرب.

الحرس الثوري.. تحركات خطيرة

وإزاء التراجع الملحوظ عسكريًا للحوثيين مؤخرً،ا والنزيف الكبير في قواهم البشرية خلال معارك شبوة ومأرب، كشفت صحيفة فرنسية عن مساعٍ إيرانية لتهريب مقاتلين شيعة إلى اليمن. في تقرير لها أفادت مجلة “إنتليجس ريبوت” أن الحرس الثوري الإيراني يستعد لإرسال قوات من ‎الحشد الشعبي العراقي إلى اليمن، للقتال إلى جانب الحوثيين، وتعزيز قدراتهم.

كشفت صحيفة فرنسية عن مساعٍ إيرانية لتهريب مقاتلين شيعة إلى اليمن. في تقرير لها أفادت مجلة “إنتليجس ريبوت” أن الحرس الثوري الإيراني يستعد لإرسال قوات من ‎الحشد الشعبي العراقي إلى اليمن، للقتال إلى جانب الحوثيين، وتعزيز قدراتهم.

ولإيران مصلحة في إبقاء تحكمها وتأجيجها للحرب في اليمن، وفق مراقبين، باعتبار اليمن ورقتها الهامة في المفاوضات النووية.

في البداية، ظهرت الأخبار من العراق عن قيام جماعات مسلحة شيعية موالية بجمع تبرعات للحوثيين، ولاحقًا تبنت ألوية ‎الوعد الحق التابعة للحشد الشعبي العراقي، في بيان لها، مسؤوليتها عن قصف بطائرات مسيرة استهدف العاصمة الإماراتية ‎أبوظبي، وذكر البيان أن القصف كان دعمًا للحوثيين.

ومنذ مطلع العام الجاري، مع إعلان الحوثيين عمليات ضد الإمارات، كان هدفًا واضحًا إيقاف دعمها للعملية العسكرية التي أعلنتها قوات العمالقة الجنوبية والجيش الوطني والتحالف العربي، لتحرير جنوب مأرب، وذلك بعد نجاح تحرير مديرية بيحان ذات الأهمية الاستراتيجية.

ترتيبات قوة شيعية عراقية إلى اليمن

بحسب تقرير “إنتليجس ريبوت”، تستعد إيران لتشكيل قوة من 15-20 ألف مقاتل من كتائب العصائب والنجباء العراقية في الحشد الشعبي العراقي، للقتال في ‎اليمن. سبق لجماعة الحوثي، منذ عام، مطالبة إيران بإرسال مقاتلين شيعة للقتال في اليمن.

ويبدو موقف حزب الله اللبناني مساندًا بقوة لإرسال مقاتلين شيعة من المنطقة للقتال إلى جانب المتمردين الحوثيين. وفي أحد خطاباته، يقول زعيم الحزب إنه كان يتمنى أن يكون مقاتلًا في صفوف الحوثيين في الساحل الغربي لليمن. وهو نفس النمط الخطابي المؤجج الذي ركز فيه حسن نصر الله على إعطاء بعد إقليمي لمعركة مأرب، معتبرًا أنها معركة مصيرية للمنطقة بأكملها.

التحريض الشيعي يتصاعد من أكثر من مصدر، ويبدو أن تحركات قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، مؤخرًا، في العراق، تصب في إطار ترتيبات ضمن مخطط لإرسال آلاف المقاتلين الشيعة إلى اليمن.

ومن شأن ذلك تصعيد الحرب ونقلها إلى بعد أكثر خطورة، بخاصة إذا أقدمت إيران على إجراءات تحشيد فعلية على أساس ديني طائفي، لتحريض الشيعة، ما ينذر بالمقابل باستفزاز السنة في المنطقة، سواء على مستوى الحكومات أو الشعوب. بالنسبة لكثير من المراقبين، فإن إيران تلعب لعبة دينية طائفية بالمنطقة، واحتمال انفجار حرب سنية – شيعية، واسعة النطاق في ميدان مثل اليمن، يظل واردًا.

تحشيد شيعي وتحركات في الظلال

‏وفق تقرير “إنتليجس ريبوت”، تم تداول معلومات في اليومين الماضيين، بشأن الزيارات المتكررة لقائد فيلق القدس في الحرس الثوري، ‎إسماعيل قاآني، إلى ‎بغداد، والتي تركز على لقاءات عسكرية مع الحشد، واجتماعات بحضور محمد الكوثراني، مسؤول ملف ‎العراق بحزب الله اللبناني.

وفي وقت سابق، بثت قناتا الحدث والعربية، التابعتان للسعودية، صورًا ومقطع فيديو يجمع بين حسان حميه من حزب الله ‎اللبناني، مع المسؤول العسكري الحوثي أبو علي الحاكم، وتسريبًا صوتيًا يتحدث فيه القيادي في حزب الله عن ترتيبات لإرسال مقاتلين إلى اليمن من سوريا.

ضبط آلاف من وثائق الهوية اليمنية

في الداخل اليمني، حدثت واقعة مقلقة قد تكون على صلة. فقد ضبطت الأجهزة الأمنية في محافظة المهرة، عمانيًا بحوزته مئات الآلاف من بطائق الهوية اليمنية، يوم 16 فبراير 2022.

ووفق وثيقة تم تداولها على نطاق واسع، فقد تمكنت أجهزة الأمن في منفذ صرفيت بالمهرة، من القبض على مُهرب عماني يدعى علي سعيد أحمد الكثيري، اثناء محاولته تهريب 800 ألف بطاقة دون بيانات، خبأها في شاحنة نقل أسماك.

وفي يناير الماضي، أشار تقرير لفريق خبراء العقوبات بمجلس الأمن، إلى أن التهريب من المنافذ البرية بين سلطنة عمان واليمن، مستمر لصالح الحوثيين.

مخاوف داخلية وإقليمية

تحركات إيران متوقعة، بالنسبة لدول الإقليم، وبالذات السعودية. هناك قلق مما تخطط له طهران، ومن التهريب عبر المنافذ والسواحل اليمنية مترامية الأطراف.

وفي الوقت الذي كانت فيه الأجهزة الأمنية في محافظة المهرة اليمنية، تحقق بواقعة تهريب آلاف من وثائق الهوية اليمنية خالية البيانات، كان 

اللواء الركن إبراهيم حيدان، وزير الداخلية اليمني، في العاصمة السعودية الرياض، يبحث مع الفريق الركن مطلق الأزيمع، قائد القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في اليمن، التهديدات التي تمثل إيران مصدرها الرئيسي، وقضايا مكافحة تهريب الأسلحة والمخدرات والأشخاص.

وتم في اللقاء مناقشة الأوضاع الأمنية بالمحافظات اليمنية التى سيطرت عليها القوات الحكومية و الجهود المبذولة في مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات والأسلحة.

وقال حيدان إن جماعة الحوثي تمارس عمليات تهريب عبر السواحل اليمنية الممتدة، كون المليشيا تعتمد على تخدير مقاتليها بالمواد المخدرة، ودفعهم للجبهات بلا وعي أو شعور.

تحديات مكافحة التهريب

بالنسبة لبلد يمتلك ساحلًا طويلًا، تمثل عملية مكافحة التهريب تحديًا مضاعفًا، وتتطلب إمكانيات كبيرة.

وزير الداخلية اليمني أخبر الجانب السعودي أن الوزارة تعمل على مكافحة التهريب عبر شريط ساحلي طويل يتطلب إمكانيات كبيرة.

وقال إن السواحل اليمنية الممتدة على طول الشريط الساحلي من حدود عمان وحتى ميدي بحدود المملكة العربية السعودية، تحتاج إلى تضافر الجهود، وتقديم الدعم الفني واللوجيستي لتعزيز مراقبة السواحل. مشيرًا إلى أن الأجهزة الأمنية تمكنت من ضبط العديد من المهربين الذين يعملون لصالح مليشيات الحوثي، والتي تعتمد على تخدير مقاتليها بالمواد المخدرة، ودفعهم للجبهات.

ولكن ليست المخدرات في الوقت الراهن هي ما يبعث على القلق لدى الحكومتين اليمنية والسعودية، بل مخطط إيران واضح المعالم لتهريب مقاتلين شيعة إلى اليمن، وتحركاتها المقلقة للبدء بذلك، وعلى نطاق أوسع.

في السابق، تسنى لإيران تهريب خبراء ومقاتلين بالعشرات، ولكن طهران تخطط حاليًا، بحسب “إنتليجس روبوت”، لإرسال الآلاف من المقاتلين الشيعة.

طلب حوثي مبكر

من وقت مبكر يعود إلى ما قبل أكثر من عام، طلبت جماعة الحوثي من إيران رفدها بمقاتلين، دون اعتبار لما قد يترتب على ذلك من تحويل اليمن إلى ساحة معركة مذهبية بين سنة وشيعة المنطقة.

وحتى إيران نفسها لا يبدو أنها حريصة، بل إن ترتيب تدفق المقاتلين الشيعة إلى اليمن جزء ضمن خطتها الأساسية لابتلاع دول المنطقة.

في 3 ديسمبر 2021، كتب يوسف الفيشي، القيادي في جماعة الحوثي، على صفحته في “تويتر”: “إنه ومنذ سبع سنوات يقاتل الحوثيون في الميدان وحدهم”. وأضاف: “آن الأوان لمحور المقاومة في إيران ولبنان والعراق وسوريا وفلسطين، إلى القتال مع الحوثيين في اليمن، وبدون حرج”. مشيرًا إلى أن ذلك “واجب عليهم، وشرف عظيم لهم وللمقاومة”.

هل تخشى إيران استفزاز سنة المنطقة؟

الملاحظ أن التحركات الإيرانية تجري على نار هادئة، بهدف دعم قدرات الحوثيين الموالين لإيران في اليمن، ورفدهم ليس بالأسلحة أو التقنيات، وإنما بآلاف المقاتلين.

غير أن الطرف الآخر، وبخاصة المملكة العربية السعودية، المستهدفة أيضًا، وبشكل رئيسي، من قبل إيران، ومليشياتها في المنطقة، يمكنها أن تستخدم نفوذها كقائدة للسنة في المنطقة في حال باشرت إيران تنفيذ مخططها لتحشيد شيعة المنطقة وإرسالهم للقتال في اليمن، إذ إن ذلك سيكون بمثابة إعلان حرب مباشرة على السعودية انطلاقًا من اليمن، وباستخدام آلاف المقاتلين الشيعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.