fbpx

المشاهد نت

الصحافة في اليمن.. مهنة الموت بلا سبب!

صورة تعبيرية

الصحافة في اليمن.. مهنة الموت بلا سبب!

تعز – محمد علي محروس

لم يطوِ الحقل الصحفي في اليمن صفحة عام 2021 دون تسجيل انتهاكٍ يُضاف للسجّل الحافل، كان ذلك في الرمق الأخير لأحد أكثر الأعوام انتهاكًا في تاريخ الصحافة اليمنية، تحديدًا، في الـ 30 من ديسمبر الماضي، والمستهدفة هذه المرة، هالة باضاوي، 28 سنة، بعد عودتها من لقاء جمعها بأركان حرب المنطقة العسكرية الثانية بمدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت، شرقي اليمن.

وجدت هالة نفسها محاطة بعدد من الأشخاص الذين اتضح لاحقًا أنهم يتبعون جهاز الاستخبارات العامة، إذ أصروا على الصعود إلى سيارتها، وتوجيهها إلى الاستخبارات العسكرية، حيث تم احتجازها دون توجيه تهمٍ لها، ومنه نُقلت في الثالث من يناير الجاري إلى السجن المركزي بالمحافظة، ولم يُسمح لأهلها بزيارتها سوى مرةً واحدة، وفق ما قالته شقيقتها هند، وفي منتصف ليل الخامس من يناير، اقتحم منزلها بموجب أمر من النيابة الجزائية، وأُخذت جميع الهواتف المحمولة التي كانت بحوزة والديها وأختها وزوجها بعد تفتيش المنزل.

عُرفت هالة بمعارضتها للإجراءات التي تنفذها السلطة المحلية والأجهزة الحكومية في حضرموت، وتعبّر عن رفضها لبعض الممارسات على حساباتها في وسائل التواصل الاجتماعي، لكن صفاء باكونه، محامية هالة، تذهب إلى أنه “ليست هناك أسبابٌ منطقية لتوجيه 12 اتهامًا لها، ولم تُقدّم الاتهامات كلائحة، أو ضمن ملفٍ للقضية، وهذا ما لم نعثر عليه، أو يتم موافاتنا به، إلى اليوم”، تقول صفاء.

وكانت إذاعة المكلا الحكومية، أذاعت التهم الموجهة للصحفية باضاوي من بينها التخابر مع دولة أجنبية، والعمل مع إحدى الخلايا الإرهابية من خلال تمرير الألغام والعبوات الناسفة بسيارتها، واستندت الأجهزة الأمنية إلى فحص هاتفها المحمول للخروج بقائمة التهم، التي لم توجّه إليها رسميًا حتى العمل على هذه المادة.

صفحةٌ سوداء

ما يحدث لهالة، يُعد من بين 86 انتهاكًا طال الحريات الإعلامية في اليمن خلال العام الماضي، بحسب مرصد الحريات الإعلامية، وأوضح المرصد أنه بالإضافة إلى حالات القتل الأربع، فقد تم رصد ست حالات إصابة، و18 حالة اعتقال، وتسع حالات اعتداء، و13 حالة تهديد، و15 حالة محاكمة واستجواب من قبل نيابات وأقسام شرطة، و12 حالة نزوح، وخمس حالات اقتحامٍ ونهبٍ وإيقاف لمؤسسات إعلامية، وأربع حالات انتهاك توزعت بين اقتحام منازل ونهب وتحريض وفصلٍ تعسفي.

وأكد المرصد في تقريره السنوي أن “العام 2021م كان أسوأ من سابقيه؛ فقد أصبح المجرمون يستخدمون أساليب مرعبة ضد الصحفيين في اليمن، ولم يكتفوا بالقنص، والاستهداف المباشر، بل وصل بهم الحال لزرع متفجرات تحت سيارات الصحفيين، كالذي حدث للصحفي محمود العتمي وزوجته الصحفية رشا الحرازي التي لقت حتفها رفقة جنينها، وهما في طريقهما لحجز موعد الولادة، ونُقل زوجها للمستشفى وهو بحالة سيئة، في التاسع من نوفمبر 2021م.”

مخاطر بالجملة

البيئة الصحفية الصعبة التي يعمل فيها الصحفيون والصحفيات اليمنيات خلال تغطيتهم للصراع المستمر منذ سبع سنوات، تؤكده منظمات دولية مختصة، فمراسلون بلا حدود تُصنّف اليمن ضمن القائمة السوداء في حريّة الصحافة، إذ احتلت المركز 169 عالميًا عام 2021، متراجعةً بمركزين عن عام 2020، ولا أسوأ منها عربيًا سوى السعودية وسوريا، تعلّق مراسلون بلا حدود على ما يعيشه الصحفيون اليمنيون بالقول: “بغض النظر عن المنطقة التي يوجدون فيها، فإن الصحفيين معرضون للمراقبة ويمكن اعتقالهم لمجرد نشر تدوينة على منصات التواصل الاجتماعي، وحتى عندما يغيّرون مهنتهم لتجنب الاضطهاد، فإنهم يظلون عرضة للملاحقات بسبب كتاباتهم السابقة.”

انفوجرافيك يوضح نتائج استبيان حول المخاطر الجسدية والرقمية للتغطية الصحفية اثناء الصراع في اليمن

يصف عضو مجلس نقابة الصحفيين اليمنيين نبيل الأسيدي سنوات الحرب بالأخطر منذ عرفت اليمن الصحافة وحرية التعبير، “فالانتهاكات الممنهجة من قبل أطراف الصراع تتسبب بتدمير مهنة الصحافة؛ فكل ما يخطر على البال من انتهاكات، تعرّض لها الصحفيون اليمنيون، وهذا يؤدي إلى تمزيق وتجريف العمل الصحفي في البلاد”، والكلام هنا للأسيدي.

جسدية ورقمية

لا تقتصر المعاناة الجسدية على ما هو متعارفٌ عليه من مخاطر التنقّل، وصعوبة التضاريس، ذلك في الوضع الاعتيادي، لكن ما أفرزته الحرب فاق التوقعات؛ فمنتسبو الصحافة والإعلام هدفٌ محوري لأطراف الصراع أثناء تغطيتهم الميدانية للمواجهات العسكرية، والانتهاكات المترتبة على ذلك بحق المدنيين، ونظير ذلك لقي 50 صحفيًا وصحفيةً يمنية حتفهم منذ اندلاع الحرب عام 2015م، خلال الفترة ذاتها وثّق مرصد الحريات الإعلامية 2369 انتهاكًا تعرّض له الصحفيون، وتنوّعت الانتهاكات بين حالات اعتقال من الحكومة المعترف بها دوليًا، وحالات اختطاف مارستها أطرافٌ خارج إطار الحكومة، إضافةً إلى حالات نزوح وتهديد واعتداء وإيقاف عن العمل وملاحقة ومحاكمة، والتسريح من العمل، وانتهاكاتٌ أخرى طالت مؤسسات إعلامية.

وخلص استبيان شمل 104 صحفي وصحفية، يعملون في 16 محافظة يمنية، 59.6% منهم ذكور، و40.4% إناث، إلى أن 65.4% يتّبعون إجراءات السلامة المهنية قبل الشروع في أي مهمة، فيما 34.6% لا يتّبعون أي إجراء لضمان سلامتهم عند العمل في تغطية الصراع بالبلاد.

وأوضح الاستبيان -الذي نفذه معد المادة- إلى أن 43.2% يعملون لدى مؤسسات إعلامية، منهم 77.8% لا توفّر لهم جهة عملهم أدوات السلامة الجسدية والرقمية، وتُظهر النتائج فجوةً كبيرةً بين ما يتم المناداة به لحماية الصحفيين من قبل بعض وسائل الإعلام، وبين التنفيذ أثناء المهام الميدانية لمراسليها والمتعاونين معها.

كما توصّل الاستبيان إلى أن ما نسبته 59.6% من الصحفيين تلقّوا تدريبًا واحدًا على الأقل في السلامة المهنية والرقمية، 75.8% منهم يتبعون جهاتٍ مستقلة، و14.5%يمثلون مؤسسات إعلامية حكومية، و9.7% يتبعون مؤسساتٍ حزبية، فيما لم يتلقّ 40.4% من الصحفيين أي تدريب، طوال عملهم في تغطية الصراع المستمر منذ سبع سنوات.

بلا حماية

على مستوى توفير أدوات السلامة الجسدية والرقمية أجاب 86.6% بأنّهم لا يحصلون على مستلزمات الحماية الجسدية والأمن الرقمي من قبل المؤسسات الإعلامية التي يعملون معها أثناء تغطيتهم الميدانية للصراع، وهو مؤشر يؤكد مدى الاستهانة بالعمل الصحفي في ظل الظروف التي تعيشها البلاد.

16.7% منهم يعملون مع مؤسسات إعلامية إقليمية ودولية ولم توفر لهم مؤسساتهم أدوات السلامة الجسدية والرقمية، والحكم ذاته ينطبق على 23.3% ممن شملهم الاستبيان ويعملون في نطاقٍ محلي ضمن المحافظات اليمنية، يُضاف إليهم 60% ممن يعملون مع وسائل إعلامية نطاقها على مستوى البلاد.

وتنوّعت الانتهاكات والمخاطر التي يتعرّض لها الصحفيون اليمنيون؛ بالنظر إلى طبيعة الصراع، وتعدد أطرافه، باختلاف مناطق السيطرة، وحلّت الإساءة اللفظية في مقدّمة تلك الانتهاكات، إذ تعرّض لها نحو 30.8%، وهُدد 16.3% بالتصفية الجسدية، وأصيب 13.4% أثناء تأدية مهامهم الميدانية، وفي الوقت الذي لم يتعرّض فيه 12.5% لأي خطر، فإن 27% تعرّضوا للاعتداء الجسدي، والاعتقال التعسفي، ومحاولة الاختطاف، وتلقّوا رسائل تهديد ومحاولات اختراق حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى الرصد والتتبع.

“الصحفيون بطبيعة عملهم حساباتهم عرضةً للاختراق؛ كونهم يملكون معلوماتٍ مهمّة سواء على مستوى الضحايا أو انتهاكات أطراف الصراع، إضافةً إلى عمليات الابتزاز والتشهير التي تجد من الحرب بيئةً خصبةً لها”، هذه أهم المخاطر الرقمية التي حددها لنا المختص الرقمي فهمي الباحث، ويضيف: “اكتساب المهارات الرقمية والتقنية، والعمل على خطة أمنية مبنية على تقييم المخاطر وفق طبيعة العمل ومكان المهمّة، والقدرة على احتواء الموقف وسرعة التعامل مع ما قد يواجهه في نقاط التفتيش أو أثناء التغطية الميدانية، هذه الأمور مهمّة ويجدر بالصحفيين اليمنيين أن يكونوا على إدراك ودراية بها قبل أي مهمّة لهم.

يشخّص الخبير الإعلامي والمدرب في السلامة المهنية ياسين الزكري الوضع بقوله: “المئات من الصحفيين تلقّوا تدريبات على مستوى السلامة الجسدية أثناء تغطية الصراع، ولكن التزامهم محدود؛ لأن الجهات التي يعملون لصالحها لا تعر ذلك اهتمامًا، ولا توفر الحد الأدنى من أدوات الحماية، وأسعارها مبالغ فيها، لا يستطيع الصحفي شراءها مقارنةً بالمردود الذي يتقاضاه.”

تبعات نفسية وقانونية

المخاطر الجسدية والرقمية مخاطر ملموسة، يُمكن التعامل معها بشكلٍ فوري، واتخاذ تدابير وقائية وإن بشكلٍ أولي، لكن العمل الصحفي وسط الظروف اليمنية الراهنة ولّد تبعاتٍ نفسية وخيمة، إذ بات كثيرون يعيشون تحت وقع قصصهم الإنسانية، وكأنّهم محتجزون فيها.

يُضاف لها عواملُ أخرى كتلك التي يعيشها الصحفي صدام المدني أثناء تغطيته لسير المعارك العسكرية في محافظة مأرب، شمالي اليمن، ومع كل منشورٍ له تنهال عليه الاتصالات الأسرية لثنيه عن ذلك، “أعيش ضغطًا نفسيًا رهيبًا؛ نتيجة المشاهدات اليومية للصراع وضحاياه، وضغط أسرتي التي لا يفارقها القلق، بسبب عملي، وهناك تهديدات وشتائم لا حصر لها، تصلني عبر حساباتي على وسائل التواصل الاجتماعي.”، يقول صدام، ويضيف: ” لم أعد أخشى على نفسي إن أصابني مكروه، جل تفكيري وتركيزي منصب على والداي (يتجاوز أعمارهما الـ 75 عامًا )، يتلقيان تهديداتٍ ورسائل؛ لثنيي عن ما أقوم به، وهذه الضغوط تؤثر على حالتهم النفسية والجسدية.”

في صنعاء، حيث تسيطر جماعة “أنصار الله” الحوثيين، اختار “عصام” اسمًا مستعارًا لنشر مواده الصحفية منذ عام 2015، فأنت تحت الرقابة؛ لأنك صحفي، “لذا كان عليّ أن أستمر بالتخفي، مع وجود ضغوط نفسية مستمرة؛ لأن وضعي سيكون صعبًا في حال كُشف اسمي، هذا ما أخشاه، وبسببه أفكر جديًا في ترك عملي الصحفي، سيقولبون ذلك قانونيًا، ولن يترددوا في توجيه تهمة العمالة والخيانة للبلاد.”

أما الصحفية رانيا عبدالله، فتعبّر عن ما يواجهها ويواجه زملاءها على مستوى العمل، إذ ترى أن العمل الصحفي في اليمن غير مشجّع؛ “نفتقر لعقود العمل المنظِّمة لطبيعة ومسار المهام بين الصحفي والمؤسسة التي يعمل أو يتعاون معها، ولا يوجد تأمين صحي، أو برامج دعم نفسي، حتى الأجور ليست بمستوى المهام التي نقوم بها.”

“العمل الصحفي بطبيعته فيه الكثير من الضغوط النفسية، فما بالك إذا كان في بيئة صراع، والتبعات تختلف من صحفي لآخر، حسب الظروف التي يعيشها فهناك من يصاب بالقلق، وآخر بالصدمة وكرب ما بعد الصدمة، وأشخاص يصابون بالاكتئاب، واضطراب الصدمة الثانوية، وهذه تحدث في حالة التغطية المستمرة لضحايا الصراع.”، هذا ما قالته الأخصائية النفسية منى الذبحاني عندما سألناها عن التبعات النفسية لتغطية الصراع، وأضافت: “الصحفيون بحاجة لدورات تأهيلية قبل تغطيتهم للصراع، كالاهتمام بالذات، وكيفية التعامل مع الاضطرابات النفسية التي ستواجههم أثناء عملهم، حتى لا يؤذوا أنفسهم نتيجة معايشتهم للأوضاع المتقلبة من حين لآخر.”

وتُعد اليمن من بين أخطر بيئات العمل للصحفيين في العالم؛ إذ يعيش البلد حربًا خلّفت 377 ألف قتيل حتى نهاية عام 2021، بحسب تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ويحتاج ما يقرب من 21 مليون شخص، أي أكثر من 66% من إجمالي عدد السكان، إلى مساعدات إنسانية في ظل أزمة هي الأسوأ في العالم، حسب تصنيف الأمم المتحدة. 

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة