fbpx

المشاهد نت

شبوة.. تربية النحل حرفة قديمة تحييها الحرب

تربية النحل أحد مصادر الدخل المرنة للعديد من الأسر الريفية

شبوة.. تربية النحل حرفة قديمة تحييها الحرب

شبوة – عدنان المنصوري

على قطعة من الحصير المصنوع محليًا يجلس محمد سالم (42 عامًا) وهو أحد مربي النحل في مديرية جردان بمحافظة شبوة(جنوبي شرق اليمن)، كعادته كل يوم يتأمل النحل وهي تتنقل ذهابًا وإيابًا بين رحيق الأشجار -المرعى- وخلاياها، حيث يستقبلها بابتسامة اعجاب مرسومة على وجهه الأسمر الخشن الذي تركت السنوات القاسية الماضية أثرها عليه.

ومنذ منتصف العام الماضي، عندما تضاعفت الأعباء الاقتصادية على محمد سالم، اضطر لاستدانة المال لشراء (50) خلية نحل جديدة في شهر سبتمبر من العام المنصرم 2021، ليستثمر بها خلال موسم إنتاج عسل هذا العام ويواجه بها احتياجات أسرته المتزايدة في ظل تدهور سعر العملة المحلية في اليمن الذي تعيش أسوأ أزمة إنسانية في العالم؛ وذلك وفق تقارير أممية.

يعيل محمد أسرة مكونة من (11) طفلًا أكبرهم علي البالغ من العمر (17) عامًا، وليس لدى الأب أي مصدر دخل باستثناء عمله في تربية النحل ورعي الماشية في منطقة عياذ شمالي مديرية جردان (تبعد 200كم عن عتق العاصمة).

وأثر الصراع في اليمن سلبًا على الحياة المعيشية لمحمد وأسرته ومعهم حوالي سبعمائة ألف نسمة وهم سكان محافظة شبوة بمقادير متفاوتة مما دفع بعضهم للعودة للعمل في بعض الحرف التقليدية أو تعزيز عملهم في الحرف التي لازالوا يعملون فيها؛ لمواجهة المتطلبات المتزايدة لأسرهم من الاحتياجات الضرورية في ظل انهيار سعر صرف العملة المحلية التي تجاوزت حاجز الألف والخمسمائة ريال لكل دولار قبل أن تتراجع خلال الأسابيع الماضية، بالإضافة إلى انعدام الفرص الوظيفية التي توقفت منذ عام 2015.

متطلبات متزايدة

كل صباح يخرج محمد مع ابنه علي أو ابنته زهرة (14 عامًا) للذهاب بالأغنام إلى أماكن يكثر فيها المرعى، ويعتمد على أغنامه في توفير متطلبات احتياجات منزله الأساسية إلى جانب تربيته للنحل، إذ يقول :”أربي خلال الموسم -6 شهور- حوالي خمسة رؤوس من الغنم، وأبيعها في سوق عتق ثم اشتري بثمنها مواد غذائية للمنزل”.

ويصل متوسط سعر رأس الغنم الواحد (ذات ستة أشهر إلى سنة من العمر) في سوق الغنم في مدينة عتق عاصمة محافظة شبوة إلى ثمانين ألف ريال وهو سعر لا يتجاوز ال100دولار، ويتفاوت الطلب بين الحين والآخر بحسب المواسم إذ يزيد قرب حلول مواسم الأعياد والمناسبات ويتراجع في ما سواها.

وإلى جانب تربية الماشية يعمل محمد بمساعدة أطفاله على تربية النحل، ويملك حوالي مائة خلية من النحل في المتوسط كل عام، ويضيف في حديثه لـ”المشاهد” أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية قد دفعه إلى العمل بتربية النحل إلى جانب تربية الماشية رغم أن ذلك يضيف أعباء أكثر على كاهله. حسب تعبيره.

تربية النحل في اليمن هي أحد مفاتيح بناء المرونة الاقتصادية المحلية في اليمن، إذ يوجد 1.2 مليون خلية نحل باليمن، تنتج أكثر من 1.500 طن من العسل كل عام.

وبلغت أسعار المواد الغذائية في مدينة عتق قبل منتصف شهر ديسمبر الماضي أرقامًا قياسية، إذ وصل سعر كيس السكر البرازيلي (50كجم)  إلى 45 ألف ريال -يتم استخدام السكر غالبًا كطعام للنحل-، وسعر كيس الدقيق (50كجم)  إلى أكثر من 30 ألفًا، بينما وصل سعر كيس الأرز خمسون ألفًا.

وبحسب محمد أن هذه الأسعار المرتفعة قد وضعته أمام تحدٍ كبير ، فعائلته الكبيرة تحتاج إلى مواد غذائية بشكل شهري بمبلغ إجمالي يقدر ب 300 ألف ريال على الأقل، ويضيف متسائل:” من وين أجيب هذا المبلغ؟”.

مواجهة التحدي

رغم المسؤولية الثقيلة التي تقع على كاهل محمد أمام أسرته التي تعول عليه في توفير احتياجاتها إلا أنه لم يستسلم، فعندما حل موسم عسل السدر ( العلب) منذ شهر سبتمبر من العام الماضي تدين محمد مبلغًا من المال يستطيع به شراء 50 خلية من النحل، وانتظر ما تجود به يد الزمان.

ويصل عدد خلايا النحل في محافظة شبوة إلى أكثر من 70 ألف خلية، تمثل حوالي ربع إجمالي النحل في الجمهورية اليمنية، وتنتج المحافظة أكثر من 400 طن من العسل كل عام، ويعد عسل السدر أو البغية -تسمية محلية- أجود أنواع العسل وأغلاها ثمنًا، وتشتهر به مديرية جردان التي ينتمي إليها محمد.

وبمجرد انقضاء الموسم – الذي يحين في الربع الأخير من كل عام – باع محمد العسل الذي استخرجه من خلايا نحله، واستطاع سداد دينه بالإضافة إلى ادخار مبلغ آخر من المال حيث يقول :” موسم العسل هو فرصة تضرب من خلاله ضربتك في الربح لمدة عام كامل وتنتظر حتى يعود نفس الوقت من العام القادم”.

نجل محمد الأكبر (علي) يساعد والده كل يوم في رعي الماشية ورعاية خلايا النحل التي يقتنيها كل عام بعد موسم ( دبس) العسل، ويقول :” أذهب صباحًا إلى المدرسة وعند العودة أساعد والدي، أما في أوقات العطل فأنا أعمل من الصباح إلى الليل”.

1.2 مليون خلية نحل في اليمن تمثل مصد دخل لقرابة 100 ألف مربي نحل

“النحل” مرونة اقتصادية

ويتفاوت سعر العسل في السوق المحلية عنها في الأسواق الخارجية إذ تبلغ قيمة العبوة (16) رطلًا مائة ألف ريال، بينما تباع في بعض دول الخليج بقيمة تصل إلى الفين ريال سعودي.

وبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن تربية النحل في اليمن هي أحد مفاتيح بناء المرونة الاقتصادية المحلية في اليمن، إذ يوجد 1.2 مليون خلية نحل باليمن، تنتج أكثر من 1.500 طن من العسل كل عام، مما يوفر دخلًا لما يقدر بنحو 100 ألف مربي نحل.

وعلى مدى عصور خلت اهتم اليمنيون بتربية النحل وإنتاج العسل، حيث توارثوا هذه المهنة عن الآباء والأجداد واكتسبوا خبراتهم في معرفة أنواع وطوائف النحل ومراعيها ونوعية كل منتج من عسل النحل حتى أصبح اليوم يعرف كل عسل بطبيعة الأرض والأزهار والأشجار التي يرعى منها وتحدد جودته على نوع الأشجار والمنطقة.

ويتمتع العسل اليمني وبالذات عسل السدر بمكانة مرموقة وشهرة تجارية كبيرة حيث يعتبر من أغلى أنواع العسل في العالم، وينتج اليمن أنواعا عديدة من العسل أهمها عسل السدر (العلب)، والسمر، والصال،والمراعي والجبلي، والسقطري الذي يعتبر من أفضل أنواع العسل عالميًا، والذي يتميز بطعمه اللذيذ ورائحته النفاذة؛ وذلك لأن النحل تتغذى على أنواع متعددة ونادرة من النباتات والشجيرات في جزيرة سقطرى.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة