الصحفي محمد امين
الصحفي محمد امين

المشاهد – متابعات
«قصف هنا ودماء هناك.. حصار وتجويع.. غياب أدنى مقومات الحياة»، هكذا الحال فى مدينة تعز اليمنية التى يحاصرها الحوثيون، فى ظل ما يعيشه اليمن من أزمة أوشكت على إتمام عامها الثانى منذ استولى الحوثيون على العاصمة «صنعاء».
فى الحصار والحروب الكل سواء، لكن الصحفى الذى يتواجد فى بلد يعيش حالة حرب مستمرة، هو فى النهاية مواطن يسعى لتأمين احتياجاته، وصحفى عليه متابعة كل جديد بمدينته على مدى الساعة، فيتحرك إلى المناطق التى يهجرها أهلها أو يهربوا منها بفعل الحصار، وفى الوقت نفسه يحمل أسرته فى باله أينما ذهب. وفى قلب مدينة تعز اليمنية، يعايش الزميل الصحفى محمد أمين الشرعبى، أزمات الحصار اليومية، والتى يصفها لـ«البوابة» قائلا: «فى إحدى حارات مدينة تعز الغربية، شارع الحصب، يقع منزلى الذى أتابع من شرفته كل يوم هطول القذائف على مختلف أحياء المدينة الغربية، وتسحق جوارحى كل يوم أخبار الموت وحكايات الوجع للضحايا من الأصدقاء والجيران نتيجة الحرب التى تشنها ميليشيات الحوثى على هذه المدينة منذ ما يزيد على سنة و٧ أشهر».
ويضيف الشرعبي: «كصحفى أظل على مدى الوقت من خلال النزول الميدانى أوثق ما يحدث وأنقل ذلك فى صورة أخبار وتقارير وغير ذلك.. لن يكن ذلك أمرًا سهلًا حين تغامر بنفسك وسط الحوارى وعبر الأزقة بعد سقوط قذيفة هاون على حى سكنى هنا أو هناك، خاصة إذا كان ذلك ليلًا فالأمر يعنى أنك تغامر بنفسك وقد تكون ضحية قذيفة أخرى أو محل استهداف أى جهة فى ظروف حرب مخيفة».
تمرکز الميليشيات
ويحكى «الشرعبى» أن منزله كان يبعد عن تمركز الميليشيات، فى وسط حى الحصب، بنصف كيلو، مضيفًا: «وذات صباح أيقظنى صوت امرأة ممزوج بالبكاء تصرخ بكل ما أوتيت من وجع، وحين فتحت نافذة منزلى كان هناك شباب يحملون شابًا لم يتجاوز الـــ١٦ سنة أُصيب برصاص قناص حوثى بعد صلاة الفجر أثناء ذهابه لعمله فى مصنع الثلج، لم أتمالك نفسى من البكاء وصوت الأم يسرى فى تفاصيل جسدى.. فجيعة أم كانت أول فاجعة تجعلنى أقرر النزوح عن منزلى إلى وسط المدينة، فقد أصبح البقاء فى المنزل الذى أسكنه فى غاية الخطورة».
ويستطرد: «كان عليّ البقاء بضعة أيام حتى أتواصل مع بعض الأصدقاء وسط المدينة كى يرتبوا لى سكنًا أنزح مع أسرتى إليه، ولذلك بقيت أسبوعًا فى حصار لا أستطيع الخروج منه، وإن خرجت فهى مجازفة.. وكنت أضطر للخروج لإرسال المواد الصحفية من أحد مقاهى النت البعيدة والذى يملك مولد كهرباء لأنه لا توجد كهرباء، فحياتنا كلها على ضوء الشموع».
ويستكمل «الشرعبى»: «لذلك كنت أحاول تجميع المواد الصحفية ليومين كى أخرج إلى ذلك المقهى البعيد وأرسلها للمواقع والصحف عبر النت، ووقتها كانت تمضى ساعات على أسرتى وهى قلقة تنتظر قدومى، خاصة أن إمكانيات التواصل كانت هى الأخرى رديئة وشركات الاتصالات توقف بعضها بالفعل، وما بقى لا يُغطى بشكل جيد».
ويسرد: «مضى ما يزيد على أسبوعين وأنا أعيش مع من تبقى من الجيران فى الحارة فى رعب ننتظر الموت فى أى لحظة، خاصة أن المواجهات لا تبعد عن منازلنا أكثر من كيلومتر، حتى أن بعض الشظايا تصلنا أحيانا، ومن ثم فقد كنا حين يحل المساء، وتشتد المواجهات المسلحة.. ننزل إلى البدروم نحتمى من سقوط القذائف أو الرصاص فى وضع مخيف وظلام دامس».
ويتحدث «الشرعبى» عن معاناة الخروج والعودة للمنزل، فيقول: «فى الأيام الأخيرة اضطررت للخروج لشراء بعض احتياجات البيت الغذائية وأثناء عودتى كان الظلام قد حل تقريبًا.. كنت أقف فى بداية الحارة محملًا بمواد غذائية للبيت، فى حين منعنى أحد سكان الحارة من المغامرة للوصول إلى بيتى وأسرتى.. ظللت أكثر من ساعتين عالقًا خلف جدار أسمنتى حتى هدأت الاشتباكات قليلًا، وحاولت أن أسرع الخطوات وكنت بانتظار أى رصاصة توقعنى أرضًا، ورغم خوفى إلا أنى كنت مضطرًا لأن أغامر، فعدم عودتى يعنى لأسرتى أنى قُتلت، ومن ثم كان على إسراع الخطى».
المقاومة والميليشيات
وعن بداية المواجهات، يوضح «الشرعبى»: «فى منتصف أغسطس من العام الماضى ٢٠١٥، بدأت أصوات دوى واشتباكات بمختلف الأسلحة المتوسطة والخفيفة، ولأول مرة كنا نسمع دوى أصوات قذائف الدبابة بشكل متواصل، وكنا نقع بين الاشتباكات، منزلى وما يزيد على ١٠٠ منزل محاصر، من الشرق تتمركز المقاومة وفى الغرب تتمركز الميليشيات الحوثية».
ويضيف: «كل هذا ونحن فى وسط هذه الاشتباكات من الجانبين، ووسط هذه الاشتباكات كان البدروم الأرضى هو مخبأنا وملاذنا وظللنا به ما يزيد على ٧ ساعات بلا أكل وبلا أى محاولة للخروج، حيث كانت شدة الاشتباكات ودوى الرصاص والقذائف تزداد فوق رؤوسنا».
ويشير إلى أن أزمة الجميع كانت تتمثل فى كيف يمكن ألا يجعلوا أطفالهم يشعرون بخطورة الوضع، إلا أن بكاء النساء حال بين محاولاتهم تلك، خاصة مع سقوط القذائف على التجمعات السكنية ورؤيتهم للبنايات وهى تحترق.
بدأت الميليشيات الحوثية فى الدخول إلى الحى والموقع المطل على حارتهم، ويسمونه بـ«تبة الأرانب»، وكانت الضرورة بأن يغادروا الحى خوفًا من أن تقتلهم الميليشيات، يقول «الشرعبى»، متابعا: «كنا نحو ٢٥ أو يزيد، بيننا نساء وأطفال وشيوخ، وكان مشهدًا لا يمكن محوه من الذاكرة ما حييت، حيث كنا نسعى للهرب من الاشتباكات وصولًا إلى وسط المدينة لنبعد عن الحرب المشتعلة فوق رؤوسنا.. كنت وقتها أحمل ابنة أخى، وهى فى التاسعة من عمرها، تبكى بشكل عجيب، وتدعو بصوت سحق جوارحى بالبكاء».
نازحون فى قلب المدينة
وبعد هروبهم إلى وسط المدينة، ظلت هذه المجموعة ومجموعات كثيرة شبيهه نازحين لأكثر من ٦ أشهر، يبحثون عن سبل العيش، فى وقت كان الحصول على أسطوانة غاز يعنى شيئًا مستحيلًا فقد وصل سعرها إلى ٥٠ دولارًا، ووصل سعر الـ٢٠ لترًا من البترول إلى ١٥٠ دولارًا إضافة إلى المعاناة الكبيرة فى الحصول على مياه الشرب، فكنا نصطف فى طابور طويل حتى نحصل على ٢٠ لتر ماء للشرب، ويستمر وقوفنا وسط الشمس ما يزيد على ٣ ساعات.
يقول «الشرعبى»: «تفاصيل كثيرة وكبيرة من الوجع دامت ما يزيد على عام و٨ أشهر، نستيقظ على خبر فاجعة بموت شخص عزيز، أو مجزرة بحق المدنيين مرة فى سوق تجارية ومرة أمام تجمع ناس للحصول على ماء وهكذا، إلى أن أصبح الخروج إلى أى مكان يعنى تحولك إلى أشلاء جراء سقوط قذيفة هنا أو هناك، حيث وقعت ما يزيد على ١٧ مجزرة فى مختلف أحياء تعز، وقتل ما يزيد على ٢٤٥ شخصًا أغلبهم أطفال».
أوجاع العمل الصحفی
ويسرد حكاياته عن عمله الصحفى والذى يرسله إلى صحيفته، وبعض المواقع التى يراسلها، لافتا إلى أنه كان يقطع ما يزيد على ٢ كيلومتر سيرا حتى يتمكن من الوصول إلى شرق المدينة لإرسال مواده الصحفية والتغطيات التى كان يكتبها للأحداث الميدانية، فالكهرباء لم تكن موجودة فى أغلب الأوقات، والميليشيات الحوثية تقطع الإنترنت عن المدينة، لتصبح بعض مقاهى الإنترنت هى الملاذ الأوحد، وبتكلفة مضاعفة أيضا. ويؤكد أن المعاناة الحقيقية للصحفيين فى مدينة تعز كانت تتمثل فى الاغتيالات، إذ تم تحذيرهم وتلقوا عدة تهديدات واضحة، فكانوا يسعون إلى التنكر وتغيير منازلهم بين آن وآخر خوفًا من الاختطاف أو الاغتيال، وأصبح هذا الأمر هاجس الجماعة الصحفية المحاصرة فى المدينة، وتزايدت بعد أن اختطفت ميليشيا الحوثى بالفعل اثنين من الصحفيين.
الميليشيات تقتل الصحفيين
وعن أصعب اللحظات التى عاشها، يقول: «لا أنسى من قتلته الميليشيات من الصحفيين مثل أحمد الشيبانى ومحمد اليمنى، وفى اليوم الذى سبق مقتل الصحفى أحمد الشيبانى كان يجلس أمامى فى المركز الإعلامى.. شاحبًا مرهقًا بعد عودته من تغطية ميدانية لإحدى القنوات، كان شابًا فى قمة الهدوء، طيبًا مثابرًا قُتل برصاص قناص، كانت أيام لا يمكن أن توجز فى مادة صحفية بل فى كتاب متكامل، سنة و٨ أشهر تعبنا وفقدنا الكثير من الأعزاء جراء حرب الميليشيات على تعز والتى مازالت تحصد أرواح سكان المدينة».
الأمعاء الخاوية
أزمات كثيرة واجهتهم خلال فترة الحصار، كان أقواها عدم الحصول على الزاد اليومى، فيقول «الشرعبى»: «لم يكن أمامى حل ذات ليلة وأنا أتألم جوعا بعد فشل كل محاولاتى فى البحث عن خبز فيما تبقى من بقالات مفتوحة، وكانت أمامى قطعتان من البسكويت أسكت بهما أمعائى الخاوية.. أكثر من ٣ أشهر عاش خلالها أبناء مدينة تعز أزمة حقيقية فى الحصول على الخبز أولًا، لأن معظم أصحاب المخابز نزحوا خارج المدينة خوفا من القذائف، وإن وجد ٣ أو ٤ مخابز فلديها مشكلة فى توفير الدقيق، وكذلك فى الوقود، فكانت كل منافذ مدينة تعز مغلقة، وتحكم الميليشيات الحصار الخانق على المدينة».
ويستمر فى وصفه للمشهد، مؤكدا عجزه الكامل عن وصف الصورة الفعلية لحالة الهلع والطوابير أمام بعض المخابز، إضافة إلى شعور الفرحة المتناهى لمن يحصل على رغيف خبز.
خلال الحصار اختصروا وجباتهم اليومية إلى وجبتين، فمنذ إبريل ٢٠١٥، وعندما قررت الميليشيات منع دخول المواد الغذائية إلى تعز، ارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل كبير، ولم يعد هناك من يحلم بالحصول على غير الخبز أو الدقيق والماء والزيت، وأضحت كل أسواق المدينة إلى خراب تترصده أرواح الموت والدمار والخراب من كل مكان.
ويحكى أن يوميات الحصار والبحث عن رغيف الخبز لا تنسى، إلى أن يصله خبر استشهاد قريب له، والأزمة كانت أنه لا يستطيع الخروج لتشييعه، خاصة أنه جرى خلال فترات الاشتباكات واستهداف المدينة بالقذائف، حيث إن مقابرهم تقع فى الجهة الشرقية من المدينة ومحاذية للاشتباكات المسلحة، ويكمل: «كان على أن أترجم عبرات روحى الحزينة إلى دموع صامته ودعاء مخلص من أجل الفرج وتخليص المدينة من هذا الخراب والموت».
حالة الخراب والدمار التى أصابت شوارع المدينة التى كانت تضج بالحياة والبيع والشراء تحولت لموطن للوجع بحالة الدمار الممتدة، المشهد بأكمله حالة من التراجيديا وكأنه يعايش فيلمًا استيقظ ليجد نفسه أحد رجاله وأبطاله، ولكنه فيلم لا ينتهى وممتد إلى ما لا نهاية.
«مواكب الجنائز، قصف الهاون، والكاتيوشا المستمر» معايشته لكل هذا لم تكن بسهولة، غادر البعض إلى ريف المدينة بعد أن أضحى الوجود فيها يعنى الموت المحقق اليوم أو غدًا، لكن هو وزملاءه من الصحفيين لم يكونوا يستطيعون المغادرة، فخروجهم يعنى أن الميليشيات ستتمكن منهم وتلقى القبض عليهم، والتهمة «صحفى».
كما أن وجوده أيضًا ضرورى للتغطيات الخبرية من أجل نقل حقيقة الوجع والموت والخراب التى تعيشها المدينة، فكان ينقل الصورة الكاملة أيضا عبر الهاتف لإحدى القنوات اليمنية، إضافة إلى تقاريره الصحفية التى يقدمها فى أوضاع غاية فى الصعوبة. يوضح «الشرعبى»: «كم من القصص الإنسانية المحزنة حين تسمع أن جارك الذى كانت تربطك به علاقة قد مات عندما لم يستطع الوصول إلى مركز الغسيل الكلوى بسبب الاشتباكات المسلحة والاستهداف المباشر بالقذائف للمستشفى الكبير فى مدينته، الأمر الذى جعل معظم الأطباء عرضة للموت، بل إن هناك من مات منهم بسبب القصف على المستشفى أيضا».
ويضيف: «كم هو موجع أن تشاهد صديقًا يتلوى من الألم ولا تستطيع إسعافه أو إيصاله إلى المستشفى إذا كان ألمه يحتاج إلى تدخل جراحى عاجل كالزائدة فهذا يعنى أنه سيموت، وحدث للبعض أن مات بسبب ذلك، والمشهد الأكثر إيلامًا كان خلال تغطيته لتدمير مركز علاج السرطان بتعز، حيث تم تدميره بشكل كامل، وكانت إدارة المستشفى قد نقلت المرضى إلى شقق سكنية فى وسط المدينة بدون أى تجهيزات طبية، كنت أشاهد أطفالًا مرضى بالسرطان بحاجة إلى علاج ولا يستطيع أحد عمل شيء لهم بعد تدمير المستشفى ومنع الميليشيات دخول الأدوية.. كنت أقف عاجزًا وأنا أترجم عبارات الأم التى ترى طفلها يموت فى اليوم آلاف المرات من الوجع».
وعن المشاهد الوحشية يقول: «كنت لا أستطيع النوم حين أذهب لتغطية مجزرة ارتكبتها الميليشيات، وأشاهد أشلاء ومناظر غاية فى الوحشية لطفل لم يتبق من رأسه إلا نصفها وامرأة أمعاءها غادرت جسدها إلى جوارها وهى تغرق بالدماء».
ويختتم «الشرعبى» حديثه بأن ما قدمه هو إيجاز لبعض من يوميات مدينته التى ما زالت حتى اللحظة تعيش أفظع الجرائم، حيث يحصد الموت يوميا أرواح أبنائها.
_نقلا عن الصحيفة المصرية _”البوابة نيوز “

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.