تعز – محمد عبدالله

ظاهرة الاختفاء القسري التي تطال المدنيين ليست جديدة على المجتمع اليمني، لكن في ظل استمرار الحرب أخذت تلك الظاهرة تزداد سوءا لا سيما في ظل عدم محاسبة مرتكبيها.

نحو 1605 واقعة احتجاز تعسفي، و770 واقعة اختفاء قسري، و344 واقعة تعذيب، في أماكن الاحتجاز غير الرسمية لدى مختلف أطراف النزاع في اليمن خلال الفترة ٢٠١٥ إلى ٢٠٢١، سجلتها منظمة “سام” للحقوق والحريات (حقوقية غير حكومية).

العديد من المخفيين قسرا لا يزال مصيرهم مجهولا، الأمر الذي ضاعف من معاناة عائلاتهم التي أصبحت تعيش في دوامة القلق.

وبمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري الموافق 30 أغسطس/آب من كل عام، أصدرت منظمة “سام” تقريرها المعنون بـ”الغيبة الطويلة” وهو محصلة ثلاث سنوات من البحث والتحقيق، كما تقول، مشيرةً إلى أنها استمعت إلى ٨٠ إفادة وشهادة لأهالي الضحايا والشهود وبعض الضحايا.

ولا يوجد إحصائية دقيقة بعدد ضحايا الإخفاء القسري في اليمن، لا سيما في ظل غياب آلية وطنية يمكن العودة إليها بهذا الخصوص.

تعذيب

معظم الضحايا الذين تم احتجازهم تعسفيًا أو اخفائهم بشكل قسري لم تكن التهم الموجهة لهم سوى الاشتباه في دعمهم للجانب الآخر في الصراع، أو بسبب رسائل عبر مواقع التواصل الاجتماعي اسيئ تحليلها رغم عدم صلتها بالصراع، وفق ما أورده التقرير الذي وصل “المشاهد” نسخة منه.

من بين تلك الحالات التي وثقتها “سام”، حالة عيسى الحليف، الذي اختطفه مسلحون حوثيون في نقطة تفتيش بمنطقة الربيعي بمديرية التعزية غرب محافظة تعز، ثم وضع في ثلاثة سجون لمدة ثلاثة أعوام.

التهمة التي سُجن بسببها هي محادثة “واتساب” عن محاضرات قسم الكيمياء مع زميل له في الجامعة، عثر عليها أحد المسلحين في نقطة التفتيش.

نُقل عيسى إلى سجن مدينة الصالح (شرق تعز) قبل أن يُنقل في 10 أكتوبر 2016، إلى سجن في مدينة ذمار قبل أن يتم نقله إلى سجن الشرقية واقع في ذات المدينة
لم تخلو سنوات الاحتجاز الثلاث من جلسات التعذيب التي كانت تستمر لحوالي 4 ساعات بالأسبوع.

“كانوا يربطون يدي وقدمي ويقومون بصلبي، كانت أقسى أيام عمري، تمنيت أني لم أخلق في هذه الحياة” يقول عيسى متذكرًا طريقة التعذيب التي تعرض لها.

في 19 ديسمبر 2019 أفرج عن عيسى ضمن صفقة تبادل بين القوات الحكومية والحوثيين.

إحصائيات

وثق تقرير “سام” المكون من 140 صفحة، وجود 18 سجن ومركز احتجاز غير رسمي مورس فيها حالات احتجاز تعسفي وتعذيب، تقع تحت سيطرة أربعة أطراف رئيسة: جماعة الحوثي، القوات الحكومية، المملكة العربية السعودية، والقوات الإماراتية والقوات الموالية كالمجلس الانتقالي الجنوبي، والمقاومة الوطنية في الساحل الغربي.

وبحسب التقرير الحقوقي، احتلت جماعة الحوثي صدارة قائمة الانتهاكات في الإخفاء القسري، بواقع 904 حالات من الاحتجازات التعسفية، و353 من ممارسات الإخفاء القسري، و138 من ممارسات التعذيب.

بينما حلّت القوات الإماراتية والجماعات المسلحة التابعة لها في المرتبة الثانية بواقع 419 حالة من ممارسة الاحتجاز التعسفي، و327 من وقائع الاختفاء القسري، و141 من وقائع التعذيب.

ووفق التقرير، تتحمل الحكومة اليمنية المسؤولية عن 282 من الاحتجازات التعسفية أو المسيئة، و90 من ممارسات الإخفاء القسري، و65 من ممارسات التعذيب.

مطالبات حقوقية

وبالتزامن مع اليوم العالمي للإخفاء القسري، نظمت “رابطة أمهات المختطفين” ومؤسسة دفاع للحقوق والحريات، وقفة احتجاجية في مدينة تعز (جنوب غرب) للمطالبة بالإفراج عن كافة المخفيين قسرًا في سجون أطراف الصراع في البلاد.

وقال بيان مشترك صادر عن الرابطة والمؤسسة إن “ضحايا الإخفاء القسري في السجون والمعتقلات السرية يواجهون مخاطر كبيرة تهدد حياتهم” لافتًا إلى أن 40 شخصًا توفوا تحت التعذيب أثناء فترة إخفائهم.

وطالب البيان الحكومة بالتصديق على اتفاقية مناهضة الإخفاء القسري الدولية، وسن القوانين الوطنية الواضحة في تجريم الإخفاء القسري وتغليظ العقوبات لمرتكبيه.

كما طالب مجلس الأمن الدولي باتخاذ إجراءات وعقوبات صارمة تحاسب مرتكبي جريمة الإخفاء القسري في اليمن.

جرائم حرب

بدوره يقول رئيس منظمة “سام” للحقوق والحريات، المحامي توفيق الحميدي، إن “جريمة الإخفاء القسري وضع لها المجتمع الدولي اتفاقية خاصة من أجل الحد منها ومعاناتها وألزمت دول بملاحقة مرتبكيها”.

وأضاف لـ”المشاهد“، أنها تعد من جرائم الحرب التي تختص بها محكمة الجنايات الدولية بموجب اتفاقية روما.

وأشار إلى أنه في “اليمن ظهر هذا الملف في فترة الحرب بصورة كبيرة زرع معاناة وأوجاع كثير من الأسر خصوصا في المناطق التي تسيطر عليها جماعة الحوثي أو الحكومة”.

ولفت إلى منظمته أصدرت تقريرًا وثقت فيه 270 حالة اخفاء قسري ارتكبتها جماعة الحوثي والحزام الأمني والقوات السعودية وقوات الحكومة اليمنية والمقاومة الوطنية.

وبشأن قوائم المخفيين قسرًا، قال إنه “لم يتم نشرها حتى الآن، ربما لا تريد الحكومة الشرعية أن تقع في حرج في هذا الخصوص، لكن توجد لدينا قوائم”.

واتهم الحكومة بالتنصل عن مسؤولياتها رغم الدعوات الحقوقية المستمرة، المطالبة بالكشف عن المخفيين قسرًا.
وأوضح أن نتائج استمرار ظاهرة الاخفاء القسري ستؤدي إلى “وفاة المعتقلين في السجون أو إصابتهم بعاهات جسدية ونفسية”.

يشار إلى أن الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة تبنت عام 2006، اتفاقية دولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري، وهي الاتفاقية التي وقع عليها 93 دولة وصدق عليها 50 ودخلت حيز التنفيذ عام 2010.

ويُعرف الاختفاء القسري، طبقا للمادة الثانية من الاتفاقية الدولية، بأنه “الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.