تعز – مازن فارس

استيقظت الستينية أنيسة فجر الثامن والعشرين من يونيو/حزيران الماضي، لتجد أرضها الزراعية المُقدّرة مساحتها بـ300 متر قد أصبحت “خرابًا”.

كانت السيول قد أتت على أرض أنيسة، لتسويها بمجرى السيل، فباتت غير صالحة للزراعة.

“حينها شعرت بصدمة كبيرة”، تقول أنيسة، وتضيف: “الأضرار التي لحقت بأرضي تحتاج أشهرًا لإصلاحه، وتصبح جاهزة للزراعة”.

وناشدت أنيسة الجهات الرسمية والمنظمات مساعدتها على إعادة أرضها إلى طبيعتها السابقة.

وكانت محافظات يمنية عدة قد شهدت خلال الأشهر الثلاثة الماضية، تدفقا للسيول عقب هطول أمطار هائلة تسببت في جرف مساحات زراعية شاسعة، وبات المزارعون بلا محصول هذا العام، وأضحت معاناتهم تتحدث عنهم في ظل غياب دور الجهات الرسمية لإصلاح الخراب الذي أحدثته التغيرات المناخية.

دمار كبير لحق بمزارع المواطنين ومحاصيل متنوعة طمرتها السيول، وليس لدى المزارعين حيلة سوى الصبر وإطلاق المناشدات التي في الغالب تضيع طريقها ولا “يُستجاب لها”، وفق تعبير أنيسة التي تضررت مزرعتها من السيول التي اجتاحت مديرية جبل حبشي ريف غرب محافظة تعز (جنوب غربي اليمن).

وخلال شهري يونيو/حزيران وأغسطس/آب شهدت مديرية جبل حبشي أمطار وسيول وصفتها السلطة المحلية بـ”غير المسبوقة”، تسببت بتعطل 15 مشروع مياه، وانقطاع خمس طرق فرعية، وجرف أكثر من 423 مساحة زراعية، وفق إحصاءات رسمية.

فقدان المحصول هذا العام يضاعف من معاناة أنيسة التي تُعد العائل الوحيد لثمانية أولاد منذ توفي زوجها، وتعتمد على الزراعة بشكل رئيس، لافتة إلى أن مزرعتها كانت تضم محاصيل “الذُرة والفلفل الأخضر والبطيخ”.

ويعتمد معظم سكان مديرية جبل حبشي (أكثر من 119 ألف نسمة بحسب تعداد عام 2004) على عائدات المحاصيل الموسمية، وجزء منهم يعتمدون على الرعي وتربية الحيوان.

وتأتي حبوب الذُرة بمختلف أنواعها في رأس قائمة تلك المحاصيل، ويكثر إنتاجها في المساحات الزراعية المستوية، والواقعة على جوانب الأودية، بالإضافة إلى المدرجات الجبلية.

إحصائيات بالأضرار
ما يقارب 5 آلاف نسمة من سكان عزل بني عيسي وبلاد الوافي والشراجه، يعتمدون على الزراعة وجميعهم تضرروا بشكل كبير من السيول، وفق مدير مكتب الأشغال بمديرية جبل حبشي طارق السفياني.

وقال لـ”المشاهد” إن اضرارًا ماديةً كبيرة لحقت بالمزارعين جراء تلف وسحق السيول لمزارعهم التي انفقوا على حصادها ملايين الريالات للحصول على الحبوب والأعلاف.

الأضرار التي أحدثتها السيول فاقمت من معاناة المزارعين وأفقدتهم المزارع ومحاصيلها التي يعتمدون عليها في تغطية احتياجاتهم الضرورية، خصوصًا وأن معظمهم يعيشون ظروفا صعبة جراء الحرب وتدهور الوضع الاقتصادي، بحسب السفياني.

وأضاف أن الوضع يتطلب تدخلًا طارئًا لعمل مصدات للسيول وجدران ساندة وحامية واستصلاح الأراضي الزراعية وإعادة تأهيلها.. مشيرًا إلى أن تكلفة الأضرار في الأراضي الزراعية والآبار تقدر بأكثر من مليون دولار.

وحول دور الجهات الرسمية، أوضح أن فريق من مكتب الأشغال وصيانة الطرق زار المديرية وأطلع على الأضرار ووجّه صندوق الصيانة بسرعه اخراج المعدات لمسح الطرق ورفع مخلفات السيول.. مطالبًا الجهات المانحة ومنظمة الغذاء العالمي بالتدخل العاجل لإنقاذ الأسر المتضررة ودعمها بمساعدات إنسانية.

خيبة أمل
لا يختلف الأمر كثيرًا في محافظة أبين (جنوب البلاد) إذ تسببت السيول في أضرار فادحة بأراضي المزارعين ومحاصيلهم في مديريتي أحور وخنفر.

المزارع سعيد علي، يؤكد لـ”المشاهد” أن سيول الأمطار دفنت معظم مزرعته في وادي أحور التي يستخدمها في زراعة البطيخ، ومحاصيل الذُرة.

وأضاف “انتظرت قدوم فصل الصيف هذا العام بكل شغف أملاً في أن أعوض ما خسرته من محاصيل في العام الماضي جراء السيول، لكن تلك الآمال تبخرت”.

ولفت علي إلى أن الوضع يتطلب تدخل سريع لحماية الأراضي الزراعية وعمل إصلاحات ضرورية خصوصًا وأن الزراعة تمثل لغالبية سكان مديرية أحور مصدرًا أساسيًا لحياتهم.

وتشير إحصاءات رسمية أطلع عليها “المشاهد” إلى أن السيول اجتاحت ما يزيد عن 18 ألف فدان من الأراضي الزراعية في أحور.

ابتداءً من أواخر يوليو/تموز الماضي، وللمرة الثانية هذا العام، ضربت الأمطار الغزيرة والفيضانات الواسعة اليمن، وألحقت أضرارًا بالبنية التحتية، ودمرت المنازل والملاجئ ، وتسببت في سقوط قتلى وجرحى، وفق الأمم المتحدة.

الأمطار التي شهدها اليمن هذا العام هي “الأعنف على الإطلاق” كما وصفها الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ في الأمم المتحدة، مارتن غريفيث، موضحًا أن أكثر من 100 ألف شخص تضرروا من الفيضانات في الأسابيع القليلة الماضية وحدها.

غياب رسمي
يكاد دور الجهات المسؤولة عن القطاع الزراعي غائبًا كما يصفه المتضررون من السيول. ولم يرد مدير مكتب الزراعة في أبين على طلب “المشاهد” للتعليق حول الأمر.

أما مدير مكتب وزارة الزراعة في تعز، عبدالسلام ناجي، فبرر غياب مكتبه بعدم توفر النفقات. لافتًا إلى تشكيل لجنة من مكتبي الأشغال والزراعة لتحديد كمية الانجرافات التي أحدثتها السيول في مديرية جبل حبشي.

وأضاف لـ”المشاهد“: “عندما نُخرج مهندسين لعمل دراسة بالأضرار فهؤلاء يلزمهم نفقات. فلا المحافظة ولا المديرية تكفلت بذلك”.

ويعتمد 70 بالمئة من سكان محافظة تعز على الزراعة، وفق ناجي، الذي يشير إلى أن أضرار السيول تؤدي إلى تقليص الرقعة الزراعية، وبالتالي تقليل الإنتاج.

وانتقد ناجي غياب دور الصندوق الاجتماعي، منظمة الأغذية والزراعة (فاو)، وبقية المنظمات المهتمة في مجال الزراعة، مشيرًا إلى أن هناك منظمات (لم يسمها) لديها مشاريع تصل تكلفتها إلى 5 ملايين دولار تُصرف في توزيع بعض البذور والأعلاف، حد تعبيره.

وطالب السلطة المحلية بتوفير ميزانية خاصة بمواجهة الكوارث الطبيعية، وتوفير مستلزمات في مجال الزراعة، كما نصح المواطنين بتحويل مجاري السيول عن الأراضي الزراعية بالإضافة إلى زراعة الأشجار الكبيرة لتفادي أضرار السيول.

مع استمرار غياب الجهات الرسمية ودور المنظمات في مساعدة المزارعين تظل المخاوف قائمة من تفاقم معاناتهم إذا ما جددت السيول تدفقها على مزارعهم.

ويعاني القطاع الزراعي في اليمن تبعات كارثية وآثارًا مدمرة جراء الفيضانات والأمطار، فضلًا عن استنفاد مصادر المياه والتصحر الناجم عن الضغوط الزراعية الأمر الذي يهدد بشكل أكبر الأمن الغذائي؛ مما يؤثر سلبًا على توافر الأراضي الصالحة للزراعة والحصول على مياه الشرب المأمونة، بحسب الأمم المتحدة.

ودفع الصراع المستمر منذ سبعة أعوام باليمن إلى أسوأ أزمة إنسانية في العالم على مدار نصف سنوات العقد الماضي.

وبحسب تقارير، خلف القتال أكثر من 110 آلاف قتيل، حيث أصبح أكثر من 20 مليون شخص بحاجة إلى المساعدات الإنسانية ويعاني نصف الأطفال دون سن الخامسة من سوء التغذية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.