fbpx

المشاهد نت

هل نسيتم ربوة الإخوة؟

هل نسيتم ربوة الإخوة؟

محمد عبدالوكيل جازم

“تعز التي في خاطري تعبت
يا ليت شعري
ما الذي فعلت
بها الأيام؟”
في قلبي وعقلي مشهد من هذه الحياة المتقلبة، لم أستطع أن أنساه نظرًا لأهميته. قبل أشهر شاهدت نساء تعز -وهن من مدن مختلفة- قد تجشمن عناء المسافات، وعزمن على الخروج إلى الضوء لشدّ الهمم ولفت الانتباه، تجمعن بالآلاف في ساحة عامة يندبن حظ بلادنا العاثر، يبكين أمام الشاشات والفضائيات قتل أبنائهن في جبال اليمن وشعابها وجبهاتها العبثية. يشتكين إهمال جرحاهن في المشافي الداخلية والخارجية، وفي أروقة الإدارات والمباني الحكومية.
رأيتهن وهن يعرضن على الشاشات الفضية أقراص الخبز التي لا تسد رمق أطفالهن لصغر حجمها في هذا الزمن المر؛ الزمن اللولبي الزئبقي الأغبر؛ ثم سمعت أصواتهن المثخنة بالدموع وهن يتساءلن أين رواتبنا الضائعة، وأين رواتب الأبناء والأزواج.. الشهداء.. شاهدتهن والدموع تبلل جلابيبهن السوداء، يصرخن: واااامعتصماه وااامعتصماه… ولكن من سيفهم هذه اللغة التي كان لها رجالها- في هذا البلد -الذي فقد عقله وقلبه وماء تاريخه؟
بعد مشاهدتي تلك الحادثة، انهالت ذكرياتي عن تعز، وعن إقامتي فيها لـ10 سنوات، وزياراتي المتكررة لها، التي حُرمت منها منذ 7 سنوات، ولم أنسَ وأنا في غمرة ذلك أننا اليوم في عصر مختلف تمامًا، لأن هناك من قد يقلل من السؤال التالي: هل نسيتم ربوة الإخوّة؟ مرجعية المعترضين أننا في حالة حرب، وكأن به يقول هذا هو عصر الالتفات إلى الرقاب التي أينعت وحان قطافها.. عصر إخماد الجماجم التي ينطلق من شآبيبها النور.. عصر القناصة المستهترين بأرواح الرجال والنساء والأطفال، وأحلامهم ومستقبل أيامهم.

مروا من هنا

كانت تعز في عهد الدولة الرسولية قبلة الدنيا، فقد قيل إن مسلمي الصين أصيبوا بملك ظالم عطل عليهم بعض الشعائر، ومنها ختان الذكور، وقد رأوا في ذلك كبحًا لحرياتهم الدينية. وعندما اشتد عليهم الظلم، بحثوا عن ملك مسلم يهابه ملوك العالم، فكان اختيارهم على ملك الدولة الرسولية الذي أوفد إلى الملك الصين ي بعثة من حكماء البلد لمحاورته وإقناعه، وقد كان لهم ما أرادوا.
لمن نسى ربوة الإخوة، فإنني أذكره بأنها ليست تلك الربوة التي تستقيم في قلب تعز أعلى حيّ الضبوعة.. وليست الزاوية التي رسم من على علوها الرحالة “نيبور” تعز القديمة مجسدًا مفاتن سورها واستدارات نوباتها وشموخ قلاعها وهدوء صباحاتها وحركة سير الناس وإيقاع أسواقها وفرح أبوابها العملاقة وهي تودع الجِمال المحملة بالمشاقر والجبن وحبوب الطعام.. فتعز -التي تتعرض اليوم “لموجة” كراهية غير مسبوقة وغير مبررة وغير بريئة- هي: تعز ربوة الإخوة والتسامح، وسيرة المتصوف الشهير ابن علوان، وضريح الشبزي، وصوت أغاني أيوب طارش وعبدالباسط عبسي المحبة للأرض والانسان… وأشعار الفضول، وقصص محمد عبدالولي، وأخلاق هائل سعيد أنعم، ونبل وعبقرية عبدالفتاح إسماعيل الذي وصل إلى رئاسة دولة الجنوب اليمني حاملًا معه سلاح المعرفة والسلام لكل اليمنيين والعالم.. تعز النعمان وسلطان أحمد عمر وهاشم علي ومحمد المساح والفتيح وعيسى محمد سيف الذي رفض أن ينجو بنفسه.. تعز هي “الإخوة”: فدائية الشهيد عبود في عدن الباسلة، وروح الشهيد عبدالرقيب عبدالوهاب بطل حصار السبعين المقتول غدرًا.. وهي مشاقر صبر التي تمتد إلى أيدي كل من دخلها؛ أو خرج منها.. وهي رائحة التين والبلس و”الفرسك” والمانجو، وتعز أضواء الصورة الإبداعية التي خلدها أحمد عمر العبسي في كايمرته التاريخية. الإخوة ليست ربوة تحتضن المقاهي والإضاءات البهيجة والعُمّال والحزانى، ولكنها امتداد يضاهي قلعة القاهرة، وهي أيضًا حنان العاملين في المطاعم والمخابز ومديري “صياني” الشاي والبن اليمني وعمال الحلويات: علي سعيد والرماس وأنعم من صانعي الهريسة والخلطة والمحبب، وصانعي الجبن التعزي…
عرفت تعز بشرًا من جنسيات مختلفة، مرّ عليها: الفاطميون والمماليك والأيوبيون والرسوليون والأتراك والشراكسة. فهي المدينة التي صهرت الأجناس والأعراق في بوتقة واحدة، وبكل ودّ الدنيا.
إذا كنت ممن أدمنوا الجلوس على ربوة الإخوة، سوف تتذكر بكل شوق أن المحال التجارية لطالبي الله، التي كانت تبدأ فتح أذرعها فجرًا لكي تستعد إلى معانقة الضوء على إيقاعات أصوات الديكة التي تأتي من هناك، من أعلى رأس صبر.. إذا كنت من مدمني ذلك، سوف تنساب تعز بهدوء إلى ذاكرتك، تعز التي كانت -قبل جنون الحرب- تفتح قلبها وأبواب عماراتها ونوافذ منازلها؛ أسوة بباب موسى، والباب الكبير التاريخيين، وأول هذه الأبواب؛ أبواب الأكشاك، والمكتبات، ثم أبواب المطاعم والمتاجر، ومنازل المعلمين، والأساتذة، وطلاب الجامعات، والمدارس الذين يقبلون على الأكشاك قبل توجههم إلى القاعات.

استبدال الدفاتر بالكلاشنكوف

أحيان؟ا يمر الوقت، وهم هناك يستقون معارف جديدة.. يعتقد المتأمل أن شيئًا ما سيحدث في هذه المدينة.. شيئًا ما مغايرًا؛ كأن يهجر الطلاب مدارسهم، ويعتكفوا في الزوايا للتأمل والقراءة الفاحصة هنا في المكتبات، وتحت ظلال الأكشاك، معتقدين أن الفضاءات الآمنة هي الأمكنة الجيدة لتلقي العلوم والمعارف. أتذكر منظر الطلاب والطالبات وهم يمضون إلى المدارس، فيجف ريقي لما تحول إليه الأمر، وكيف حدث ذلك، ولماذا… وإلى متى؟ كيف ذهب ذلك الحنين باتجاه بؤر المعسكرات والنقاط المحدثة دائمًا، المتقاطرة في الخطوط الرئيسة والفرعية؟ نسي الكثيرون دفاترهم وأقلامهم وحقائبهم، وتم استبدال كل ذلك بالكلاشنكوف والرصاص والأحزمة الناسفة والجعب المعبأة بالذخيرة.. طارت الأوراق والمساطر والأدوات الهندسية مع دموع الأمهات. نحس بالقهر والألم والحسرة كما لو أن عاصفة الصحراء حلت بكل حقدها على الإنسان اليمني بعظمة تاريخه المجيد، وراحت ترفس بأقدامها اللولبية السهول والجبال والوديان والشعاب.. الضفاف والروابي والتلال والعيون الكحيلة على سقوف الدور في القرى الآمنة.. هكذا راحت تعجن بأصابعها المتوحشة أرواح الأجداد في قبورهم الآمنة، وأصوات الرعيان فوق الآبار، ومواهات المزارعين في الحقول النابضة بالزرع والثمار الناضجة.
“مصر التي في خاطري” مقتطف من قصيدة لأحمد رامي، وأضاف عليها مبارك سالمين في روايته الطوفان “عدن التي في خاطي تعبت/ يا ليت شعري ما الذي فعلت/ بها الأيام؟”.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة