عدن – بديع سلطان

أدرك الشاب ياسر الصوبي، أن ثمة خيارات متعددة يضعها القدر أمام كل إنسان، لهذا.. لم يستسلم أو يقنط عندما أُغلق في وجهه بابُ رزقٍ، ومصدر دخله الوحيد.

العشريني القاطن في مدينة عدن (جنوب اليمن)، يمم وجهه ضاربًا في الأرض، يُنقّب عن عملٍ بعد أن صودرت دراجته النارية، التي كان يسخرها لإعالة أسرته الكبيرة، واستطاع بالفعل أن يجد البديل الذي يعينه على قوت إخوته ووالدته المسنة.

استقر الأمر بياسر عاملاً في إحدى محلات بيع الملابس، بمدينة البريقة غرب عدن، غير أن الحصول على هكذا وظيفة لم يكن من السهولة بمكان، وكلّفه التنقيب عنها أسابيع، ظل حينها بلا دخل مادي.

يقول لـ “صوت إنسان”: “بعد مصادرة دراجتي النارية، إثر حملة أمنية نفذتها السلطات في عدن، لم يكن في حسباني التخطيط لبديلٍ عن مصدر رزقي الوحيد هذا، وأمضيت أسابيع وأنا أبحث من محل إلى آخر، لاقتناص فرصة عمل”.

يتحرك ياسر في جنبات ومربعات المحل الضيقة بحماس متدفق، ولا يمل في تقديم خيارات متنوعة من الملابس لزبائنه، إيمانًا منه بأن الخيارات المتعددة تمنح فرصًا قد لا تكون الأفضل، لكنها تبقى مطلوبة، ونلجأ إليها متى ما اقتضت الحاجة.

يحكي كيف أنه اضطر إلى أخذ أموالٍ من جمعياتٍ (هكبة) لأخواته البنات، كما باع شيئًا من حلي والدته الكبيرة سنًا وقدرًا، حتى يستطيع أن يبتاع دراجة نارية قارب سعرها 500 دولار أمريكي، حتى تكون مصدر رزق لعائلته.

غير أن القدر كان حاسمًا، وانتزع من ياسر هذا الخيار، ليجبره على البحث عن خيارات أخرى، تكون دخلاً جديدًا له، ومصدر رزق لأسرته، البالغ عددها تسعة أشخاص، هو عائلهم الوحيد، عقب وفاة والده.

يتحدث ياسر عن تقاضيه راتبًا شهريًا من محل الملابس الذي يعمل فيه حاليًا، لا يتجاوز 40 دولارًا، وبمقارنةٍ بسيطة مع كان يحصّله من العمل على متن دراجته النارية، يؤكد ياسر، وهو يلوّح بيديه في الهواء: “لا مجال للمقارنة”.

كانت الدراجة النارية مصدر رزق يغري الكثير من الشباب العاطل وبلا عمل في عدن، ومدن يمنية كثيرة، حتى النازحين الفّارين من ويلات الحروب في بلد مزقته الصراعات.

لهذا؛ كان ياسر أحد الشباب الذين ضحوا بمدخراتهم وحلي عائلاتهم حتى يصنعوا لأنفسهم مصدر دخل مغري، حيث كان معدل ما تدخله الدراجة النارية من إيراد يومي يقارب 150 دولارًا شهريًا، وقد يفوقها أحيانًا”، يقول ياسر.

لم يكن حديثه من باب الجحود، أو عدم الاقتناع، ولكنه تأكيد على الرضا والسلام النفسي الذي يستشعره ياسر، وهو قابع في محله يقنع الزبائن على الشراء، ويشير إلى أن “كلا العملين مهمين، وعلينا ألا نفكر بحجم الدخل المالي، بقدر ما نفكر بقيمة العمل نفسه، وما يقدمه من استقرار وسكينة، بدل أن نتكفف الناس، ونسألهم”.

روح القناعة في نفس ياسر، لم تتناقض مع حصوله على عمل إضافي إلى جانب محل الملابس، فعمل كبائع أيضًا في محل للمكسرات والبهارات بالقرب من محله السابق، يوزع عليها الليل والنهار؛ ليزيد دخله المادي.

يقول: “عدد أفراد أسرتي التسعة يعتبر كبيرًا، وما أتقاضيه من محل الملابس لا يفي بالاحتياجات الأساسية، لذا بحثت عن عمل آخر، وساعدني أحد جيراني بالعمل لديه في محل البهارات والمكسرات”.

ويبدو أن حاجة أسرته، كونها مسئولية عظيمة، خاصةً وأنه عائلها الوحيد، هي من اضطرته لمزيد من الجهد والسعي والبحث، لزيادة دخل أسرته، فالخيارات متوفرة، ولا تحتاج إلا للتنقيب والسؤال عنها، واقتناص فرصها، فلا مكان للقنوط أو اليأس، يؤكد ياسر.

وكانت السلطات الأمنية في مدينة عدن اليمنية، قد أقرت مطلع نوفمبر 2019 منع استخدام الدراجات النارية في شوارع وأزقة المدينة، ووفرت دوريات مسلحة لمطاردة ومصادرة عدم الملتزمين بالقرار، وفق المركز الإعلامي لألوية الدعم والإسناد بعدن.

وجاء القرار بعد سلسلة من حوادث الاغتيالات التي ضربت مدينة عدن، عقب أحداث ومواجهات أغسطس 2019، استعملت فيها دراجات النارية في عمليات الاغتيال؛ لتسهيل هروب الجناة.

ورغم الأثر الإيجابي للقرار في تجنيب مدينة عدن مزيدًا من الفوضى الأمنية، إلا أنه أتى على نسبة كبيرة من سائقي الدراجات النارية، وعصف بمصدر دخلهم الوحيد.

وتراجعت بشكل كبير فرص العمل للشباب في اليمن بسبب الحرب الدائرة منذ ست سنوات، وبحسب الاتحاد العام لعمال اليمن، فهناك أكثر من 3 ملايين شخص فقدوا أعمالهم، أغلبهم من الشباب، في إحصائية غير نهائية.

وقال الأمين العام لاتحاد عمال اليمن، فضل العاقل، إن 80% من الشباب العاملين، فقدوا وظائفهم منذ بدء الحرب، خصوصاً في سنواتها الأولى.

وأضاف العاقل، “ما تبقى من الأعمال الحرة الموجودة، هي لسد الحد الأدنى من الاحتياجات الأسرية”، كاشفًا عن إقبالٍ لافت على شراء الدراجات النارية مؤخراً وتزايد العمل بها في مدن يمنية عديدة، كونها وسيلة سهلة لكسب العيش”.

ويعتقد العاقل أن غياب الاستقرار السياسي، هو ما تسبب في تراكم معدلات البطالة، “ففي ظل عدم وجود جهات تحارب البطالة، تتضاعف أعداد خريجي التعليم الذين يجدون أنفسهم بلا وظائف”.

يقول خبراء يمنيون في الاقتصاد، أن تكلفة الحرب لا تشمل دمار المباني والبنية التحتية فحسب، بل إن الآثار المدمرة للحرب، تتمثل في تزايد نسب البطالة في أوساط الشباب، بشكل غير مسبوق.

وأكد رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي مصطفى نصر، لـ “صوت إنسان” أن نزوح رأس المال الوطني إلى خارج البلد هربًا من الوضع، كان سبباً رئيساً لتزايد بطالة الشباب إلى معدلات مرعبة.

وأضاف أن “نحو 800 شركة مقاولات توقفت عن العمل بشكل كامل، وتعرضت الآلاف من المنشآت الصناعية والتجارية للاستهداف المباشر بسبب اتساع رقعة القتال”.

وكان تقرير للبنك الدولي قد أشار إلى أن “البطالة القاتلة تجعل الشباب عرضة للاستقطاب من قبل الأطراف المتحاربة، والذين لا يملكون سوى حمل السلاح من أجل الحصول على مقابل يومي، يضمن لهم العيش”.

ولفت التقرير إلى أن البطالة بين صفوف الشباب ارتفعت إلى 60%، مع ارتفاع الفقر إلى 54.5% من مجموع السكان، البالغ عددهم نحو 30 مليون نسمة.

وبينت معطيات مسح أجراه الجهاز المركزي للإحصاء اليمني ومنظّمة العمل الدولية، أن معدل بطالة الشباب في اليمن يرتفع ضعفين عن معدّلات العمالة للكبار، فمن يعمل من الشباب هو واحد فقط من بين خمسة، وشابة واحدة من كل 40 فتاة.

تنشر هذه القصة بالتزامن مع نشرها في منصة ”صوت إنسان” وفقا لإتفاق بين “المشاهد” والوكالة الفرنسية لتنمية الاعلام CFI

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.