صنعاء – وفيق صالح

أغرق العام 2020، اليمن بأسوأ أزمة اقتصادية وإنسانية، فعلاوةً على الركود الشديد الذي ضرب الاقتصاد اليمني منذ 6 أعوام، نتيجة الحرب العسكرية، التي لاتزال رحاها تدور حتى اليوم، فإنه فاقم من هذه الأزمة، نتيجة التداعيات التي خلفتها جائحة كورونا، على مختلف اقتصادات العالم، إذ انعكست تأثيرات جائحة كورونا سلبًا على تراجع تمويلات ودعم المانحين الدوليين، وكذلك انخفاض تحويلات المغتربين إلى اليمن، بنسبة أكثر من 70%، والتي كانت تشكل أكبر مصدر دخل للنقد الأجنبي في البلاد، منذ بدء الحرب.
وعملت مجمل الظروف التي أحاطت باليمن، على الصعيدين السياسي والأمني، منذ العام 2014، وما نتج عنها من حروب مدمرة، على حدوث نتائج كارثية على الاقتصاد اليمني، وأضعفت قدراته الإنتاجية، وبددت طاقاته المادية والمالية والبشرية، حيث يقدر الانكماش التراكمي في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي عام 2020 بنسبة 50% عن حجمه في 2014، وقدرت الخسائر بأكثر من 90 مليار دولار، وفق تقديرات حكومية.
وتسببت حالة إغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية، الذي اتخذته الحكومة اليمنية، منذ مطلع 2020، نتيجة تفشي جائحة كورونا، بتبعات اقتصادية، طالت العديد من المرافق الخدمية والمؤسسات الحيوية، والأعمال التجارية، وألقت بظلال قاتمة على مختلف نواحي الحياة في بلد يعاني من فقر وبطالة مزمنة.

تدني قيمة العملة المحلية

سجلت العملة المحلية، خلال العام 2020، أسوأ أداء لها، حيث هبطت إلى مستويات متدنية، ووصل سعر الدولار الواحد إلى أكثر من 900 ريال، للمرة الأولى في تاريخه، قبل أن يتراجع منذ مطلع الأسبوع الجاري، إلى نحو 650 ريالًا، وهو ما يعكس الاختلال العميق الذي أصاب الدورة النقدية في البلاد، والاقتصاد الكلي، بشكل عام، نتيجة تعطل أغلب صادرات البلاد النفطية والغازية، وتشتت الموارد المحلية، والانقسام المصرفي والنقدي، الذي ضرب الحركة التجارية الداخلية، وفاقم من معاناة المواطنين بصورة غير مسبوقة.
وتقف عدة أسباب وعوامل، وراء تدني قيمة العملة المحلية، منها تعطيل المالية العامة للدولة، وعدم إعداد موازنة للعام 2020، واستمرار تعطل أغلب الصادرات اليمنية، والتي تعد مصدرًا هامًا للبلاد، وترفد الخزينة العامة بالنقد الأجنبي، منها صادرات النفط والغاز المسال.
كما يقف الانقسام النقدي والمصرفي، وتشتت الموارد، وتباين السياسات المالية، بين الحكومة اليمنية، وجماعة الحوثي، التي لاتزال تسيطر على العاصمة صنعاء، وراء عملية تدهور قيمة الريال، وتفاقم الأعباء الاقتصادية والمعيشية، التي زادت حدتها خلال العام الجاري.

نفاد احتياطي النقد الأجنبي

وتسببت الحرب المستمرة في اليمن منذ 6 أعوام، بانحسار احتياطي النقد الأجنبي من البنك المركزي، مع تعطل كثير من الصادرات، وضياع الموارد، حيث اتهمت الحكومة اليمنية، الحوثيين، في أغسطس 2016، بنهب أكثر من 5 مليارات دولار من احتياطي البنك المركزي، وعدته سببًا رئيسيًا في ما يتعرض له الريال اليمني اليوم.
وأدت عملية نهب الاحتياطي من النقد الأجنبي، في عجز كبير في السيولة والعملات الصعبة، وانتقال الكتلة النقدية من يد البنك المركزي إلى يد الصرافين، الذين أصبحوا المتحكم الرئيسي في السوق منذ أواخر 2016، وهو الأمر الذي ترتب عليه انهيار الثقة في القطاع المصرفي.

الانقسام النقدي

منذ مطلع العام الجاري، شددت جماعة الحوثي، من إجراءاتها في حظر تداول الطبعة الجديدة من العملة، لدى البنوك والمصارف والمعاملات التجارية، بشكل كلي، وهو ما فاقم من عملية التداول المالي والتجاري بين المحافظات، وأدى فعليًا إلى وجود عملتين مختلفتين، دون الإعلان بصورة رسمية، ولكن بدت آثارها واضحة في الصعوبات الكثيرة، التي واجهها المواطنون، في عملية التداول المالي والمصرفي.
وجاء قرار حظر الطبعة الجديدة من العملة، بعد أن طبعت الحكومة في الخارج، نحو تريليون و700 مليار ريال، على مراحل مختلفة، لمواجهة شحة السيولة في العملة المحلية، ومحدودية الإيرادات، وهو ما جعل الحكومة تجد صعوبة كبيرة في الإيفاء بالتزاماتها المالية تجاه المواطنين، وموظفي القطاع الحكومي والمدني.


وبررت جماعة الحوثي، قرار الحظر، لمنع ارتفاع مستويات التضخم في العملة، وأسعار السلع والخدمات، بيد أن الحرب على الأوراق النقدية الجديدة، أدت إلى انهيار منظومة الريال اليمنيّ، ودفعت البلاد بالفعل إلى استخدام عملات صعبة، خصوصًا الريال السعودي والدولار الأمريكي.
كما ارتفعت نسبة السكان الذين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة، وفق إحصائيات أممية، ووصل الملايين منهم بالفعل إلى حافة الجوع، متكبدين تكاليف زائدة وتدهورًا إضافيًا في القدرة الشرائية، وفي وضعهم المعيشي.

أزمة قطاع المصارف والبنوك

تفاقمت أزمة قطاع المصارف والبنوك، خلال العام 2020، نتيجة وجود بنكين مركزيين، وازدواجية القرارات المصرفية، والموجهة لشركات والبنوك ومنشآت الصرافة، وهو ما انعكس بشكل سلبي، على عمل المصارف، وأصاب القطاع الحيوي بخسائر كبيرة، حيث اقتحمت جماعة الحوثي، نحو 10 بنوك ومصارف، وأغلقت 20 محل صرافة، وفروع شركات صرافة، بينها أحد أكبر البنوك، وهو بنك التضامن الإسلامي، الذي داهمت المقر الرئيس له، في 11 نوفمبر الماضي، وقامت بإيقاف عمله وتسريح الموظفين والاستيلاء على السيرفرات.
وجاءت أزمة القطاع المصرفي -وفق خبراء- كنتيجة حتمية لوجود سلطتين نقديتين، وانقسام البيئة الاقتصادية، حيث دفع بكافة الأطراف إلى التنافس الشديد على السيطرة على السياسات المالية، وإن بدت جماعة الحوثي، أكثر شراسة ورعونة في الإضرار بالقطاع المصرفي، وإلحاق آثار سلبية على قيمة الريال الوطني، وعملية التداول المالي للمواطنين.
وعانت الأسواق، منذ العام الماضي، من أزمة نقد سيولة في العملة الوطنية، حيث عجزت بعض الشركات عن الوفاء بالتزاماتها بالعملة الوطنية، إضافة إلى عدم قدرة البنوك المحلية على مواجهة طلب الزبائن بسحب ودائعهم أو جزء منها، وبقاء قطاع واسع من موظفي الدولة بدون رواتب.
وتمثلت أزمة السيولة لدى البنوك والمصارف، في أن حوالي 65% من إجمالي أصول البنوك غير متاحة للاستخدام وهي في شكل أوراق مالية حكومية، وأرصدة ودائع، واحتياطي قانوني لدى البنك المركزي، وقروض للقطاع الخاص معرضة لخطر عدم السداد.
وأصبحت البنوك غير قادرة على الوفاء بطلبات عملائها من أصحاب الأعمال في الوقت المناسب، مما أضر بأنشطتهم، وزعزع ثقتهم بالقطاع المصرفي، مفضلين الاحتفاظ بالسيولة خارج البنوك.

تضخم أسعار السلع

خلال الفترة الأخيرة، ونتيجة لتهاوي قيمة العملة المحلية، ارتفعت نسبة التضخم في أسعار السلع والخدمات بنسبة 400%، وفق تقديرات منظمات دولية، مقارنة بأسعار السلع قبل الحرب.
واضطرت كثير من الأسر اليمنية لزيادة نسب اعتمادها على الاستراتيجيات السلبية للتأقلم مع تداعيات الأزمة الاقتصادية، ولمواجهة نقص السيولة، أهمها العمل على استهلاك الأغذية الأقل تفضيلًا بنسبة تزيد على 50%، يليها تقليص حجم الوجبة الغذائية، في حين تركزت توجهات كثير من الأسر، خصوصًا في مناطق شمال اليمن، إلى اتباع استراتيجية تقليص عدد الوجبات، وفق دراسات حديثة.
في حين تُرجح تقديرات أن 26.5% من الأسر خفضت الإنفاق على التعليم والصحة، وقامت بسحب أولادها من المدارس، فيما وجد أن كثيرًا من الأسر، بنسبة 50%، تشتري الغذاء بالائتمان، في حين اضطر 16.5% إلى البيع من أثاث المنزل لتوفير السيولة وشراء متطلباتهم المعيشية الضرورية.

تراجع تحويلات المغتربين

امتدت تداعيات جائحة كورونا إلى تحويلات المغتربين اليمنيين، حيث أثرت بشكل بالغ على تراجع نسبة تحويلاتهم إلى أسرهم وعوائلهم في اليمن، نتيجة حالة الإغلاق التي شهدتها مختلف الدول في العالم منذ مطلع العام الجاري.
وتراجعت التحويلات بنسبة تراوحت بين 70% و80%، بحسب تقديرات متفاوتة، إذ تقول منظمة “أوكسفام” الدولية التي تعمل في اليمن على مساعدة ضحايا الحرب، إن التحويلات تراجعت بقيمة 253 مليون دولار، أي بنسبة 80%، في الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، مقارنة بمستوياتها في الفترة نفسها من العام الماضي.
وتأتي معظم التحويلات اليمنية من السعودية وأمريكا، ولكن الولايات المتحدة تحاصر منذ مدة تحويلات المغتربين اليمنيين، بحجة قوانين الإرهاب.
وتُمثل تحويلات المغتربين المصدر الأكبر للنقد الأجنبي في اليمن، حيث يتراوح جحم المبالغ المحولة إلى اليمن، سنويًا، ما بين 3 و4 مليارات دولار، وفق إحصائيات رسمية.

تدني تمويلات المانحين

وتراجعت نسبة تمويلات المانحين الدوليين، لخطة الاستجابة الإنسانية في اليمن، العام 2020، جراء التداعيات التي تسببت بها جائحة كورونا، على اقتصادات العالم، على الرغم من اشتداد الأزمة الإنسانية في اليمن، وتزايد المخاطر الناتجة عن جائحة فيروس كورونا.
وجاءت تعهدات المانحين في المؤتمر الذي نظمته الرياض، مطلع يونيو من العام الجاري، بالشراكة مع الأمم المتحدة، دون المستوى المأمول، إذ لم تفِ تعهدات المانحين المعلنة في المؤتمر، باحتياجات ومتطلبات خطة الاستجابة الإنسانية 2020.
وأعلنت 31 دولة عن تقديم تعهدات وصلت إلى مليار و350 مليون دولار، أي ما نسبته فقط 56% من أصل مليارين و400 مليون دولار، كمتطلب مالي لتغطية الأنشطة الإنسانية للفترة ما بين يونيو وديسمبر من العام 2020، تاركة فجوة مالية تزيد عن مليار دولار.
ويعاني صندوق التمويل الإنساني في اليمن، نقصًا حادًا في التمويل خلال العام 2020، حيث بلغت قيمة التمويلات المتاحة حتى نهاية يوليو 2020، حوالي 49 مليون دولار فقط، وبتراجع كبير عن مساهمات المانحين في العامين 2018 و2019، والبالغة حتى شهر يوليو 121 و117 مليون دولار على التوالي، وفق أحدث دراسة حكومية.

50 % حجم انكماش الاقتصاد اليمني

وقدّر تقرير حكومي، الخسائر المتراكمة للاقتصاد اليمني، مع نهاية العام الماضي، بنحو 90 مليار دولار، حيث تراجع الناتج الإجمالي المحلي، بمعدلات سلبية كبيرة، إذ تراجع في العام الأول من الحرب بمعدل 28% إلى 30%، وفي العام الثاني انخفض بمعدل 15%، مع استمرار التراجع في كل عام منذ 2015، وهو ما يعني أن الناتج المحلي خلال السنوات الخمس الماضية، انخفض بمعدل 50% من قيمته التي كان عليها قبل الحرب.
وامتدت تلك التداعيات إلى المجال الاجتماعي والإنساني، لترتفع نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد الشديد، إلى 67%،
وتدهورت معيشة 24 مليون نسمة هم بحاجة إلى مساعدات إنسانية، فضلًا عن نزوح حوالي 6.3 مليونًا داخليًا، وأكثر من مليون نازح خارج اليمن، كما ألقت الأزمة بظلالها على تسرب نسبة معتبرة من العقول العلمية والكفاءات المهنية إلى الخارج بحثًا عن العمل اللائق والاستقرار المعيشي الآمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.