تعز – منال شرف:

في حين كانت طموحات ياسر القباطي، وهو طالب يدرس الحقوق بجامعة تعز، تنزف وسط المعتقل الذي جُر إليه، كان زملاؤه يلوحون بقبعات تخرجهم، مودعين عامهم الدراسي الأخير، بالزغاريد والفل.

على مدى عامين، ترك هذا الشاب مقعده فارغًا، وملفه الدراسي معلقًا لدى جامعته، إلى جوار مئات من الملفات الدراسية الخاصة بطلاب آخرين كانوا قد توقفوا عن دراستهم الجامعية. فعلى الرغم من أن تسرب الطلاب عن التعليم الجامعي ليس بالظاهرة الجديدة، إلا أن الاعتقالات والخطف، وغيرهما الكثير، شكلت أوجهًا إضافية لتفشي هذه الظاهرة.

يقول ياسر: “يشعر المعتقل، عادة، بالتحطم والانكسار دفعة واحدة، وقد يعاني من توجس شديد تجاه كل أحلامه وأهدافه السابقة بعد الإفراج عنه، فيتجنبها، مفضلًا أن يعوض سنوات اعتقاله بأعمال أقل انخراطًا بالمجتمع، وإن كلفه الأمر ترك الدراسة”.

“فقرة الشهيد”

ألقت الحرب بظلالها على كثير من المنتسبين للتعليم الجامعي؛ فمنهم من لقي حتفه إثر رصاصة غادرة أو إهمال حكومي، ومنهم من انضم لجبهات القتال، ومنهم من تأذى نفسيًا نتيجة تعرضه للاعتقال أو التعذيب أو الخطف، ومنهم من أخذ العمل كل وقته بعد أن صار عائل أسرته الوحيد.

مآسٍ عدة أسهمت في تناقص عدد الطلاب الجامعيين، فبعد أن كان العامل المادي يتصدر أسباب تنحي الطالب عن دراسته الجامعية؛ تحت مبرر البحث عن مصدر رزق ، صارت الحرب، بكل ما خلفته من ويلات واقتتال، نواة جديدة لتفشي هذه الظاهرة.

أكرم القاضي : معظم البرامج الاحتفائية للخريجين لا تخلو، اليوم، من فقرة الشهيد، حتى أصبح الأمر روتينيًا؛ أن يقف الطلاب أثناء حفل تخرجهم لقراءة الفاتحة على زميلهم الراحل

ويذكر مقدم الاحتفائيات والبرامج التوديعية بجامعة تعز أكرم القاضي، أنه وجد في معظم البرامج الاحتفائية للدفع المتخرجة، خلال السنوات الأربع الأخيرة، فقرة تخصص لأحد طلاب الدفعة، وربما أكثر، راح ضحية للحرب، يُطلق عليها مسمى “فقرة الشهيد”، وأحيانًا “فقرة الوفاء”.

ويقول القاضي: “معظم البرامج الاحتفائية للخريجين لا تخلو، اليوم، من فقرة الشهيد، حتى أصبح الأمر روتينيًا؛ أن يقف الطلاب أثناء حفل تخرجهم لقراءة الفاتحة على زميلهم الراحل؛ يبكون؛ يستذكرون إنجازاته ولحظاتهم معه؛ يكرمون ذويه؛ يلبسون صورته الفل وقبعة التخرج؛ يبوحون له بمشاعرهم كما لو كان حاضرًا بينهم. إنها فقرة مقدسة يُسمح فيها لكل ما يعبر عن معاني الوفاء والصداقة والحزن؛ الحزن لفقدان كثير من الطلاب جراء الحرب”.

وكتب الصحفي عمران فرحان، على صفحته الخاصة في “فيسبوك”، عن الحزن الذي شهده الحفل التوديعي الخاص بدفعة العام لكلية الحقوق التابعة لجامعة تعز، “حين صعدت إحدى الخريجات لتستلم شهادة أخيها الذي مات قبل أن يكمل اختبارات الترم الأول للمستوى الرابع، وهي تجهش بالبكاء، إلى جانب 5 طلاب آخرين من الكلية نفسها، حضرت أسرهم لتحفتل بدونهم”.

وأضاف: “لا تكتفي الحرب بأن توزع المآسي إلى كل بيت في اليمن، لكنها تنكأ جرح أهالي الضحايا بكل الذكريات والمناسبات”.

في السياق، احتفت كلية الآداب بجامعة تعز، العام الفائت، بتخريج قرابة 40 طالبًا وطالبة من قسم الإعلام، أي ما يقل عن نصف ما كانوا عليه سنة التحاقهم، وهو ما يوضح مدى النقص الحاصل في عدد الطلبة المنتسبين لها، كحال مختلف الأقسام التابعة لجامعة تعز.

ويرجع البعض أسباب ذلك إلى اندلاع الحرب والنزوح إلى خارج المدينة، إضافة للظروف المعيشية والاقتصادية العويصة التي خلفتها الحرب، ويفيد آخرون أن المتسربين من بعض الأقسام لم يجدوا فيها ما يشجعهم أو يساعدهم على مواصلة الدراسة، بخاصة بعد حصولهم على فرص أفضل.

ويقول أسامة أنور، وهو أحد المتسربين من قسم الإعلام لجامعة أخرى خارج اليمن، إنه أصيب بالإحباط واليأس الشديدين جراء توقف الدراسة بجامعة تعز لعام ونصف، وإن البيئة التي صنعتها الحرب هي ما أجبرته على اتخاذ قرار التحويل والمغادرة، وعدم التفكير بالرجوع وإن فتحت الجامعة أبوابها مجددًا.

ويفيد أنور أن المنحة الدراسية التي حصل عليها إلى جمهورية السودان، شكلت منفذًا بالنسبة له، ووسيلة لنقله من بيئة الحرب التي أعاقته عن استكمال دراسته بجامعة تعز إلى بيئة مليئة بالحياة والسلم.

ويقول: “كانت نقلة نوعية؛ أدركت من خلالها أن العالم يعيش بأمان، والكل يسارع نحو المستقبل. نحن فقط الذين تطحنهم الحروب، ونحن فقط من نعود إلى الماضي، ولا نفكر بالغد”.

كيف تفاقمت المشكلة؟

ويشير أستاذ الصحافة بجامعة تعز، الدكتور طيب رشاد، إلى أن ما يمر به البلد، مؤخرًا، من ظروف اقتصادية صعبة، هي ما صرفت الطالب عن الدراسة الجامعية، كما عملت على تدمير مبدأ التكافل الاجتماعي وقيمًا إنسانية أخرى كانت تسهم في الحد من تفاقم مشكلة تسرب الطلاب، إذ يقول: “في السابق كان أصحاب الباصات يتيحون الركوب مجانًا للطلبة، ويقدم التجار دعمًا ماليًا لهم، أما اليوم فقد صار النسيج المجتمعي هشًا للغاية، وتمزقت كثير من الأسر بفعل الحرب،؛ ليجد الطالب الجامعي نفسه وحيدًا بين تلبية متطلبات دراسته، وحاجيات أسرته”.

ويرى الدكتور رشاد أن المفارقة الكبيرة، التي تشهدها جامعة تعز، بين عدد الملتحقين والخريجين من طلابها، دليل خطير على مدى عزوف الطلبة عن التعليم بشكل عام، والجامعي بشكل خاص، منوهًا في الوقت ذاته إلى حاجة المشكلة لوقفة جادة من قبل الجميع، وأن على الجامعة أن تبذل جهودًا إضافية لاستقطاب الطلاب.

ويؤكد عميد كلية التربية بجامعة تعز، الدكتور حلمي الشيباني، أن للضغوط النفسية والمشاكل الأسرية والاجتماعية، التي يعاني منها الطالب الجامعي، آثارها السلبية على التحصيل الدراسي له، وأن غياب وحدة الإرشاد النفسي بالجامعة يعد عاملًا مساعدًا على تطور حالته النفسية، وصولًا لانقطاعه التام عن الدراسة، ويقول: “الشجار والتمزق الأسري، العلاقات، الأسلوب الرتيب في التدريس، التعامل المستفز لأستاذ المقرر مع الطلبة، بعد التخصص عن ميول الطالب، الظروف المادية ومآسي الحرب… كلها محبطات من شأنها أن تعيق الطالب عن استكمال دراسته الجامعية”.

“الاستثمار في السلاح بدلا من العقول”

وتخلو معظم البيوت اليمنية من الجو المحفز على القراءة والتزود بالمعرفة، بحسب الدكتور الشيباني؛ إذ لا وقت لدى أفرادها إلا لتوفير حاجياتهم الضرورية، من جانب آخر، تشكل أصوات الرصاص والقذائف رعبًا لدى بعض الأسر؛ الأمر الذي يدفعها للاحتفاظ بأبنائها في المنازل (خصوصًا الفتيات) على المخاطرة بتعليمهم، ويضيف: “لاتزال هناك محاولات لتكريس الصورة النمطية للأنثى؛ باعتبارها مجرد تابع للرجل؛ تنتهي حقوقها بالزواج. هناك، أيضًا، طالبات يتعرضن للتنمر والتهديد من قبل آبائهن أو إخوانهن أو أزواجهن، وذلك بمنعهن من الدراسة، وكأنما أمر تعليمهن مجرد هبة منهم. طلاب كانوا على مشارف التخرج ثم أخذوا شهاداتهم إلى الآخرة، وآخرون فضلوا الانضمام لجبهات القتال بدلا من البقاء أسيري الإحباط والقلق؛ نتيجة للانسداد الوظيفي الحاصل في سوق العمل”.

ويختم الدكتور الشيباني قائلًا: “لقد توجهت معظم إيرادات الدولة للسلاح، ولم يعد هناك ميزانية تشغيلية خاصة بالنظام التعليمي كالسابق؛ ما اضطر الجامعة لأن تعتمد على الرسوم التسجيلية للطلبة، بعد أن كان الطالب يرى في الإعفاءات الجامعية وسيلة للتخفيف من واقعه المزري”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.