عدن – هارون سنان

“خسرت أكثر من ٤٠ خلية نحل من أصل ١٠٠ خلية بسبب السموم والمبيدات التي ترش في المزارع. أكثر ما يخيفني أثناء التنقل بالنحل بين المحافظات هو استهداف الطيران” بهذه الكلمات وبوجه شاحب يستهل النحال حميد قهوش الذي ولد عام ١٩٧٦، حديثه معنا.

“من يريد العسل يصبر على قَبْص [لسعات] النحل” ينطبق هذا المثل اليمني الشهير على كل نحّال مع الأحداث والأزمات التي يمر بها النحالون بشكل خاص واليمن بشكل عام, بحسب قهوش ذو الـ ٤٤ عامًا.

أزهار ودخان

تعلم حميد الذي يسكن في منزل مستأجر بمدينة صنعاء، مهنة تربية النحل وإنتاج العسل في مسقط رأسه بمحافظة المحويت، شمالي غرب العاصمة اليمنية, وبدأ العمل فيها عام ١٩٩٩.

يشاهد النحل أثناء خروجها ودخولها إلى الخلايا ويشرح طريقة عمله في تربيتها وإنتاج العسل “كل صباح وقبل أن أتناول وجبة الإفطار أتفقد النحل وأصب لها نصف لتر من الماء في صحن [إناء] خاص بالنحل، ومن ثم أقوم بمراقبتها كل ساعتين، وعندما تخلو الأشجار من الزهور أنقلها إلى منطقة أخرى ذات أزهار”.

يضيف لـ”صوت إنسان”: “في موسم العسل أصحو باكرًا وأفتح كل خلية وأشاهد عدد الشبكات فيها. آخذ قطعة كرتون لأحرقها كي يبتعد النحل جراء الدخان فأحمي نفسي منه”.

ويجد قهوش في هذه المهنة هوايته ومتعته، كما أنها تعد جزءًا مهمًا في حياته لا يمكن التخلي عنها حتى وإن حصل على منصب كبير في الدولة, حد تعبيره.

كما لو كانت فردًا من العائلة

حميد متزوج وله أربعة أولاد وبنتان؛ أكبرهم محمد ذو الـ١٤ عامًا وأصغرهم حفصة التي تبلغ من العمر عامين ونصف، يستذكر حديثًا مع زوجته: “طلبتْ مني أن أبيع النحل واكتفي بالبيع والشراء في العسل؛ لأن النحل أبعدتني عنها وعن أطفالي، بسبب التنقل, فلم أرد عليها. أعادت الكلام فأخبرتها أن النحل مثل أحد أولادي، ولم تعد لهذا الحديث أبدًا منذ ذلك الوقت”.

ومنذ انقطاع المرتبات على الموظفين اليمنيين عام 2016، سخّر حميد قهوش كل جهده للاهتمام بالنحل وإنتاج العسل؛ كونه مصدر الدخل الوحيد الذي يوفر لهم الاحتياجات الأساسية.

ويسعى من خلال الانتقال بخلايا نحله من منطقة إلى أخرى، بحثًا عن أشجار السدر لإنتاج عسل ذي جودة شهيرة، يكثر طلبها في السوق المحلية والخارجية.

ويختلف العسل كل عام عن سابقه، من ناحية الإنتاج فقد تصل الكمية إلى ١٠٠ لتر، ناهيك عن اختلاف الجودة والطعم والرائحة, يتراوح سعره ما بين ٧٠ – ٢٢٠ ألف ريال يمني للكيلوغرام الواحد.

ويشارك قهوش في الكثير من المجموعات العربية التي تضم نحالين من مختلف الدول العربية والأجنبية حتى يطور من مهاراته في تربية النحل وإنتاج عسل ذو جودة عالية.

منعطف الحرب

قبل الحرب، كان النحالون في الشمال والجنوب يتنقلون بين معظم المحافظات اليمنية أبرزها حضرموت وشبوة ولحج والحديدة والمحويت وصعدة وعمران.

قهوش الذي أوقف قيد الدراسة في كلية التجارة بجامعة صنعاء عام ٢٠٠١، ولم ينوِ استئناف التعليم الجامعي بسبب الأوضاع المعيشية, أوضح “منذ اندلاع حرب ٢٠١٥، لم أذهب الى أي محافظة جنوبية بسبب بُعد المسافة وانتشار النقاط الأمنية الكثيرة، وارتفاع أسعار المشتقات النفطية”.

يضيف “في السابق كنت أستأجر القاطرة [شاحنة] بـ١٥٠ ألف ريال يمني تأخذنا من صنعاء إلى سيئون، أما في هذه الأيام فأحتاج إلى نحو خمسمائة دولار، ومع انعدام المشتقات النفطية في صنعاء يصل تكلفة النقل إلى ألف دولار”.

كان خلايا النحل كل عام بين منطقة العصيمات شمالي صنعاء ومنطقة تهامة التابعة للحديدة، غربي اليمن, وبسبب السموم والمبيدات التي ترش على المزارع، لم ينتقل إلى الأخيرة هذا العام (2020)، ليستبدلها بمنطقة أسلم في محافظة حجة شمالي غربي البلاد.

وعلى الرغم من اكتفاء النحال حميد قهوش بالمحافظات الشمالية إلا أنه لا يزال يواجه صعوبات كثيرة أثناء تنقله ووصوله إلى الكثير من المناطق فيها، وخاصة التي تشهد مواجهات مسلحة.

سموم ومبيدات وقصف الطيران

ويشكو الكثير من النحالين من رش مزارع القات والخضار والفواكه بالسموم والمبيدات، التي أدت إلى نفوق الكثير من خلايا النحل، وحرمان رعاتها الاستفادة من الأراضي الزراعية.

يقول قهوش “خسرت أكثر من ٤٠ خلية بسبب السموم والمبيدات، من أصل ١٤٠ خلية تقطن حاليًا بمنطقة دير دخنه في محافظة الحديدة”.

ويخشى النحالون من مغبة استهدافهم بقصف غير متعمد جراء النزاع أثناء سفرهم ليلًا “من الصعب نقل النحل في النهار لأن بعضها تكون خارج الخلية. وأحيانًا يشتبه الطيران بخلايا النحل فيقوم بقصف القاطرة والخلايا والنحال”.

يضيف “نحاول جاهدين الابتعاد عن خلايا النحل في المراعي حتى لا يشتبه بنا الطيران ونتعرض للقصف، كما نحاول الابتعاد من المناطق التي تشهد اشتباكات”.

أمنية السلام

ويطمح قهوش بأن يرى اليمن تعيش بسلام دائم كما تعيش الدول الأخرى، وأن يرى الشعب اليمني يعمل بجد واجتهاد لتحقيق طموحاته, كمما يتمنى خلو المحميات الطبيعية من السموم والمبيدات، وأن تصدر السلطات قوانين بمنع قطع أشجار السدر، التي تعتبر الغذاء الرئيسي للنحل.

ضربات جوية ضد نحالين

وتعرض الكثير من النحالين لقصف طيران التحالف العسكري الداعم للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، فيما انتهت بعض المناحل خاصة مع بداية الحرب في الأعوام  ٢٠١٦ إلى ٢٠١٨.

يقول عبدالله يريم رئيس المؤسسة اليمنية لتطوير قطاع النحل والإنتاج الزراعي في اليمن، وهي مؤسسة خاصة، إن “عدد النحالين الذين قصفوا مع مناحلهم ١٤ نحالًا: ٢ في شبوة، و٣ في منطقة شفر بتهامة الحديدة، و٣ في منطقة الجراحي وحيس، فيما انتهت ٦ قاطرات نحل بشكل كامل أثناء تنقلها”.

وأكد يريم لـ”صوت إنسان” أن “اليمن خسرت ما بين ٨ إلى ١٠ آلاف خلية نحل بسبب القصف، وهو ما يدل على أن النحالين اليمنيين خسروا بسبب الحرب والمبيدات التي ترش في المزارع”.

وحول رش السموم والمبيدات على الحقول الزراعية، رفعت المؤسسة مذكرات لوزارة الزراعة في حكومة المجلس السياسي بصنعاء من أجل وضع حد لهذه المبيدات، وأُصدر قرار يقضي بمنع بيع وشراء تلك المبيدات.

يشرح يريم أنواع السموم القاتلة: “مبيدا المدجج والمقنع [تسميات محلية] يفتكان بالنحل بشكل قوي، حيث يصل تأثيرهما على بُعد يصل من كيلو إلى ٥ كيلو مترات”, مضيفًا أن “الأكثر خسارة خلال الحرب هم التجار المصدرون للعسل إلى خارج البلاد، والسبب هو عدم قدرتهم على التصدير بسبب إغلاق المنافذ البرية والجوية وصعوبة الشحن، ويليهم النحالون بسبب عدم قدرتهم على التنقلات، وعدم دخول الأدوية ومستلزمات النحل بالشكل المطلوب”.

ووجه عبدالله يريم رسالة للقطاع الحكومي بتفعيل دور القطاعات المعنية بالنحل وإنتاج العسل وبذل جهد أكثر لدعم النحالين وتسهيل تصدير العسل اليمني، كونه يحظى بشهرة واسعة في العالم, حد تعبيره.

وتمتلك اليمن ما يقارب المليون ومائتي ألف خلية نحل، و ١٠٠ ألف نحال يعيلون نحو أربعة ملايين شخص، بحسب إحصاءات وزارة الزراعة في العاصمة اليمنية.

تنشر هذه القصة بالتزامن مع نشرها في منصة ”صوت إنسان” وفقا لإتفاق بين “المشاهد” والوكالة الفرنسية لتنمية الاعلام CFI

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.