تعز – محمد علي محروس :

“أنا مطمئنة الآن، أملك بيدي حرفة، وبها أعيل أسرتي”، بعينين لامعتين تتحدث الثلاثينية “عالمة” عن تجربتها خلال جائحة كوفيد19، وقد تمكنت من إجادة مهنة عملية، وأصبح بإمكانها الحصول على دخل يضمن لها ولأبنائها لقمة عيشهم.
ترددتُ كثيرًا قبل الذهاب إلى المساحة الآمنة، لكني قررت أن أخوض التجربة، وحين وصلت بدأت التدرب بشغف؛ لأني أريد أن لا أكون عالة على أحد، ولأن لي ثلاثة أطفال ينتظرون من يطعمهم، فقد تُركتُ وحيدة طوال فترة كورونا المستجد دون عائل، وما أزال، تقول.
صحيح أن المساحة أغلقت أبوابها في ذروة انتشار الفيروس، لكنهم كانوا يتابعونني إلى المنزل، ويوفرون لي الإمكانيات المطلوبة، حتى تمكنت من الخياطة، وأصبح بإمكاني الاعتماد على نفسي.. لهذا شعور مختلف، وراحة بال، تضيف “عالمة”.


تتحلّى بالمسؤولية


من بين زميلاتها الأخريات، كانت أكثر حماسًا، ولديها شغف بما تريده، لمستُ أنها بحاجة لإتقان الخياطة من أجل أن تكون قادرة على إعالة أبنائها، بذلك تعبّر سلوى أمين، المشرفة على البرنامج التدريبي عن الأيام الأولى لعالمة، قبيل الجائحة بقليل.
تكشف سلوى عن شخصية امرأة مثابرة، تضع اعتبارًا لمجتمعها، وتتحلّى بالمسؤولية تجاهه، لقد فاجأتني بموافقتها على خياطة كمامات طبية دون مقابل، وإصرارها على المجيء بشكل يومي؛ للمساهمة في تخفيف العبء الحاصل بسبب نقص مستلزمات الوقاية من كمامات ومعقمات في قلب الجائحة، قالت لي: هذا واجبي، وإذا ما عملت شي والناس محتاجين، متى بعمل؟
على مدى أربع سنوات، قاست عالمة معاناة النزوح، وفقد زوجها راتبه، بعد أن توقف بسبب الحرب، ثم ما إن عادت إلى تعز حتى صُدمت بمتغيرات عدة، كان أبرزها أن تخلّى زوجها عن توفير متطلباتهم الأساسية، حتى أنه غادر المنزل طوال فترة كورونا، دون أن يكلّف نفسه السؤال عن حالها وأطفالها الثلاثة.
أجني ما أريده، وأوفر بعض ما أحتاجه من خيط يدي، من كمامات وملابس شعبية وأرسل بعضها للبيع في محافظة إب، حيث تُوزّع في بعض مناطقها.. لهذا وقع فرائحي بهيج لدى عالمة، تتوصل إليه وأنت تتبادل معها أطراف الحديث، ولعذوبة ما تقوله.

“أمنية” الوصول للهدف


أما “أمنية”، فقد وجدت ضالتها أخيرًا، وهي تتصفح الفيسبوك، حين رأت إعلانًا لإحدى المساحات الآمنة عن دورة خياطة.. “وجدتُ نفسي هناك، أخبرتهم أنني أنتظر هذه الفرصة منذ طفولتي، فالخياطة حلمي منذ أن عرفت نفسي، فضموني دون تردد”.
عاشت أمنية تحت وقع انفصال والديها، وذاقت مرارة الفقد بمقتل أخيها في الحرب، وهو الذي كان يعيلها وإخوتها الأربعة معية أبيها المقعد، لذا فالخياطة كانت بمثابة الملاذ للخروج من المأزق الذي هي فيه، حسب وصفها.
ببهجة تحكي تجربة البداية، وقد كانت تسابق الزمن للتمكن مما تتعلمه يوميًا، حتى بدأت بخياطة الكمامات والملابس النسائية بأنواعها، بكل سرور تقول: أنا من أعيل أسرتي، ولا أحتاج لأحد، يكفيني هذا وزيادة.
تشيد نجوى المصري، مدربة عالمة وأمنية بهما: لقد كانتا نموذجين رائعين للمجتهد الذي يريد أن ينتصر على واقعه؛ حتى يتمكن من البقاء على قيد الحياة، لنفسه، ولأهله، ولمجتمعه، إنهما مذهلتان بحق، أتمنى لتجربتهما التمام والكمال، حتى تكونا قادرتين على حياكة كل الأزياء المرغوبة من قبل النساء في الأسواق، وتملكان مشروعاهما، لِمَ لا، فهما تستحقان، تقول نجوى.

ملاذٌ وتمكين


ترى الباحثة الميدانية والمهتمة بقضايا المرأة منال القدسي أنه من الرائع أن يكون هناك ملاذ للنساء في ظل الحرب وجائحة كورونا، فهناك من تستحق أن تعيد استكشاف نفسها، والاعتماد عليها؛ لإعالة ذويها.
وتضيف القدسي: تتمتع المرأة اليمنية بقدرة فائقة على مواجهة الظروف، والعمل للتغلب عليها، هذا ما لمسته خلال جائحة كورونا المستجد، وأثناء عملي في الميدان وجدت نماذج مضيئة لنساء تحدين الواقع وانطلقن دون التفات للوراء.
منسق مركز الإرشاد الأسري والدعم النفسي لدى منظمة ديم عماد العديني يمحور حديثه حول ضرورة استيعاب الحضور النسائي الواسع، والعمل بوتيرة عالية من أجل مشاريع التأهيل والتدريب والتمكين؛ لأن ذلك تُبنى عليه معالجات حقيقية لوضع أسري ما، ويساهم في تخفيف وطأة المضاعفات النفسية للمرأة، وقد لاحظنا ذلك خلال تفشي كوفيد19- لكثير ممن فقدن معيلهن، أو تركن وحدهن يواجهن مصيرًا غامضًا، في ظل الحرب والجائحة، يقول العديني.
العديني بكل وضوح يرى أن المساحات الآمنة، ومراكز الإرشاد الأسري والدعم النفسي لا بد وأن تكون في كل مديرية؛ للفوارق التي تصنعها في حياة المرأة، وتجعلها أكثر قوة وصاحبة قرار وبيدها خيار المواجهة إضافة للحالة العاطفية والدعم المعنوي والإسناد برمته.
وبحسب تقرير للأمم المتحدة فإن آثار جائحة كوفيد-19 تتفاقم بالنسبة للنساء والفتيات لمجرد كونهن إناثًا وفي جميع المجالات، من الصحة إلى الاقتصاد، ومن الأمن إلى الحماية الاجتماعية، فالنساء والفتيات يعانين بوجه خاص من آثار سلبية مضاعفة على الصعيد الاقتصادي، لأن دخلهن أقل بصفة عامة، وادّخارهن أقل، ولأنهن يشغلن وظائف غير آمنة أو يعشن في مستويات قريبة من مستوى الفقر، ولئن كانت التقارير الأولية تشير إلى وفاة عدد أكبر من الرجال نتيجة للجائحة، فإن تأثيرها على صحة المرأة سلبي عمومًا بسبب إعادة تخصيص الموارد والأولويات، بما فيها خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، وازداد عبء عمل الرعاية غير المدفوعة الأجر نتيجة لبقاء الأطفال خارج مدارسهم، وزيادة حاجة كبار السن إلى الرعاية، وكون الجهات المعنية بتقديم الخدمات الصحية منهكة بحمل يفوق طاقتها.
كم أن شعور الاستقلالية ممتع، فلا أحد يستطيع أن يمن عليك، وأنت صاحب القرار، وكل ما له علاقة بعملك أنت من تحدده، هذه رسالتي للمرأة، تقول عالمة، أدعوها ألا تلتفت للكلام الزائد، اثبتي نفسك من خلال قدراتك، وهم سيأتون إليكِ؛ لتحكي التجربة، وتنقلي الخبرات، حينها ستتأكدين كم أن المجتمع يحفك بالتعظيم والامتنان، وإن لم يفصح.
تم إنتاج هذه المادة كإحدى مخرجات برنامج ” الكتابة الصحفية الجيدة لقضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي في ظل جائحة كوفيد19″ الذي ينفذه مركز الدراسات والاعلام الاقتصادي بدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.