عبدالعالم بجاش

مزقت الحرب الأهلية ليبيريا، خلال أكثر من 10 أعوام من الاقتتال والصراع والعنف، سبق ذلك نزاع متجذر بين أقلية احتكرت السلطة على حساب الأكثرية من السكان الأصليين، امتد النزاع لأكثر من 133 سنة.

وأدت سنوات الصراع الدامي إلى انهيار الاقتصاد والنظام، وإلى تفشي الفقر، حتى صارت البلاد بين 3 دول الأكثر فقراً على مستوى العالم، بمتوسط دخل سنوي للفرد لا يتجاوز ٢٥٠ دولاراً أمريكياً.

كانت البلاد التي تأسست عام ١٨٤٨، ساحة لواحدة من أكثر الحروب دموية في أفريقيا، والتي اندلعت منذ أواخر العام ١٩٨٩، واستمرت لأكثر من 10 سنوات حتى ٢٠٠٣، وتخللتها فترة استقرار نسبي.

ومنذ العام ٢٠٠٣ بدأت ليبيريا في الخروج من النفق المظلم، وساعدها على ذلك جهود الأمم المتحدة التي كان لقوات حفظ السلام التابعة لها دور بارز على مدى ٢٥ عاماً، ابتداء من عام ١٩٩٣ وحتى ٢٠١٨، حيث انتهت مهمة تلك القوات التي غادرت بعد استقرار الأوضاع في ليبيريا.

إن تاريخ النزاع المرير الذي عاشته ليبيريا، وطبيعة الدور الأممي هناك، يقدمان نموذجاً فيه العديد من الخطوط الأساسية التي يمكن أن تكون مفيدة عند مقاربتها لتجربة النزاع والحرب المندلعة في اليمن منذ عام ٢٠١٥، كما أن تجربة ليبيريا وانتقالها من حرب أهلية طاحنة إلى السلام، شكلت حالة تنطوي على أوجه ملفتة مع الحالة اليمنية، على نحو يجعل التجربة الليبيرية من التجارب قريبة الشبه للوضع الراهن في اليمن.

ومن بين ملامح الشبه، على سبيل المثال، تجنيد الأطفال في الحرب، واستخدام المخدرات والقات، ووضع البلاد تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والتقارب في أعداد ضحايا الحرب، خصوصاً من المدنيين، والتقارب في أعداد المهجرين جراء الحرب.

ليبيريا،، إطلالة على الجغرافيا والتاريخ

على مساحة تمتد لأكثر من ١١١ ألف كيلومتر مربع، تقع ليبيريا غرب قارة أفريقيا، يحدها المحيط الأطلسي من الجنوب الغربي، وسيراليون من الغرب، وغينيا من الشمال، ومن الشرق ساحل العاج أو كوت ديفوار، وتعد منروفيا العاصمة، وفيها الميناء الرئيسي للبلاد، وسميت تيمناً باسم خامس رئيس للولايات المتحدة الأمريكية جيمس مونرو.

تتشكل أراضيها من سهول واسعة في منطقة الساحل، تتخللها المستنقعات، وفيها غابات مطيرة استوائية، وهضاب ومرتفعات باتجاه الشمال الشرقي للبلاد، ويشق نهر مانو حدود البلاد الشمالية الغربية، ونهر كافالا يحدها من الجنوب الشرقي.

ويتكون سكان ليبيريا من الزنوج المحررين العائدين من الأمريكيتين، وتقدر نسبتهم 5% من السكان، فيما تشكل ٢٠ قبيلة زنجية الغالبية العظمي في البلاد، أبرزها الماندنج ومندي وسوننكي، وتقدر نسبتهم بقرابة ٩٥%، تأسست في البدء كموطن للرقيق والعبيد الأفارقة المحررين من الولايات المتحدة الأمريكية ومناطق أخرى في نطاق الأمريكيتين.

ووفقاً للمصادر التاريخية، تعود بدايات تأسيس دولة ليبيريا إلى عام 1820، من خلال قيام جمعية الاستعمار الأمريكية بإرسال متطوعين سود إلى ساحل الفلفل، لإقامة مستعمرة لعبيد أمريكا المحررين، وأنشئت كدولة ثانية في غرب أفريقيا للرقيق المحررين، وبدأ تشكيلها عبر تأسيس مدينة منروفيا عام 1821، على الساحل، ثم التوغل نحو الداخل.

كانت فكرة عودة العبيد الأمريكيين المحررين إلى أفريقيا، والخلاص من حياة الرق والعبودية، هي مصدر تسميتها ليبيريا التي تعني “أرض الحرية”، وفي 26 يوليو 1847، أعلن أولئك العبيد المحررون المستوطنون، استقلال ليبيريا، وأصدروا الدستور الذي أعلن إنشاء جمهورية ليبيريا المستقلة، سبق ذلك إعلان كومنولث بين القبائل من السكان الأصليين الأغلبية والعبيد الأمريكيين المحررين ذوي الأصول الأفريقية، أو من أطلق عليهم بالليبيريين الأمريكيين.

وعلى الرغم من كونهم أقلية، وعلى مدى ١٣٣ عاماً، احتكر الليبيريون الأمريكيون وأحفادهم السلطة والحكم في ليبيريا، وعملوا على إقصاء السكان الأصليين، على امتداد الفترة من عام 1847 حتى 1980.

وينظر إلى الانقلاب الذي قاده الرئيس الأسبق صمويل دو، عام ١٨٤٧، واستيلائه على السلطة، باعتباره نتيجة طبيعية لاحتكار السلطة من قبل أقلية على حساب الأكثرية من الشعوب الأصلية.

والرقيب صامويل دو الذي ينتمي لمجموعة كران العرقية الأصلية، قاد الانقلاب العسكري في 12 أبريل 1980، وقام بالإطاحة وقتل الرئيس ويليام تولبرت الابن، كما أعدم دو وأنصاره لاحقاً غالبية وزراء تولبرت ومسؤولين آخرين في الحكومة الليبيرية الأمريكية وأعضاء من حزب ترو ويغ، وهو حزب خاص بالليبيريين الأمريكيين، وشكل دو مع قادة الانقلاب مجلس خلاص الشعب لحكم البلاد.

الحرب الأهلية الأولى (١٩٨٩-١٩٩٦)

شهدت ليبيريا مرحلة عاصفة ما بعد الانقلاب العسكري عام ١٩٨٠، والذي أطاح بالمؤسسة الليبيرية الأمريكية، وقد شكل دو حكومة، وفرض حكماً شمولياً استمر 10 سنوات، ونتيجة ذلك الانقلاب دخلت البلاد مرحلة اضطرابات سياسية واقتصادية وحروب طاحنة. واندلعت الحرب الأهلية في ليبيريا أواخر العام 1989 ومطلع العام ١٩٩٠، بين قوات حكومة صامويل دو، والجبهة الوطنية الليبيرية، التي تشكلت كمجموعة معارضة بزعامة تشارلز تايلور، وهو مسؤول حكومي سابق.

بدأ تايلور تمرده في ديسمبر ١٩٨٩، بدعم من دول مجاورة؛ بوركينا فاسو وكوت ديفوار، ودخلت البلاد حرباً أهلية استمرت حتى العام ١٩٩٦، قتل فيها صامويل دو في سبتمبر ١٩٩٠، حيث ألقي القبض عليه من قبل المتمردين بزعامة تايلور، وتم إعدامه، لكن الحرب الأهلية استمرت، وانقسم المتمرون أنفسهم إلى فصائل متناحرة، خاضت مواجهات ضد بعضها البعض، لكن وتيرة الاقتتال الداخلي هدأت بعد تدخل منظمة الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، التي شكلت قوة مهام عسكرية للتدخل في الأزمة الليبيرية.

وفي ١٩٩٥ توصلت أطراف النزاع إلى اتفاق سلام، وتم تنظيم انتخابات عامة فاز فيها تايلور برئاسة ليبيريا، واعتبرت انتخابات مزورة، وسيكون تزوير الانتخابات إحدى التهم التي ستوجه لتايلور بعد سنوات، خلال محاكمته ومثوله أمام محكمة دولية بتهم ارتكاب جرائم حرب. كانت فاتورة الحرب الأهلية الأولى باهظة، إذ قدر عدد القتلى في تلك الحرب بـ٢٠٠ ألف ليبيري، معظمهم من المدنيين، وتشريد قرابة مليون ليبيري إلى مخيمات لجوء في دول الجوار. وصفت تلك الحرب بأنها كانت الأكثر وحشية في تاريخ الحروب الأهلية في افريقيا، وبنهاية الحرب الأهلية الأولى عاشت البلاد في استقرار نسبي لوقت وجيز.

عقوبات دولية

في نوفمبر ١٩٩٢ كانت الحرب الأهلية الأولى في ليبيريا في ذروتها، وصدر بالإجماع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 788. اعتبر القرار أن تدهور الحالة في ليبيريا يشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين. ونص القرار على فرض حظر على توريد الأسلحة إلى ليبيريا، لأغراض إحلال السلام والاستقرار. ووجه الأمين العام للأمم المتحدة بإرسال مبعوث خاص إلى ليبيريا لتقييم الوضع، وتقديم تقرير إلى المجلس بأية توصيات. وقرر المجلس لاحقاً “بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، أنه يجب على جميع الدول أن تنفذ على الفور حظراً عاماً وكاملاً على جميع شحنات الأسلحة والمعدات العسكرية إلى ليبيريا حتى يقرر مجلس الأمن خلاف ذلك”. ورغم ذلك انتهك الحظر، وأدى لتفاقم الصراع بسبب عدم تطبيق الحظر على الأسلحة والمعدات العسكرية الموجهة لقوات حفظ السلام التابعة للجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، وكان الوضع في ليبيريا وجوارها، مصدر قلق للمجتمع الدولي، ما دفع لتنسيق 6 بعثات لقوات حفظ السلام من قبل الأمم المتحدة.

الحرب الأهلية الثانية (١٩٩٩-٢٠٠٣)

دخلت ليبيريا مجدداً حرباً أهلية ثانية، بين حكومة تايلور في مواجهة تمرد جديد تدعمهم دول مجاورة كانت في نزاع مع تايلور، ووصفت ليبيريا في عهد تايلور كـ”دولة منبوذة” بسبب استخدامها صادرات الأخشاب غير المشروعة ومصادر أخرى لتمويل الجبهة الثورية المتحدة في الحرب الأهلية في سيراليون.

في أبريل ١٩٩٩ بدأت الحرب الأهلية الثانية في ليبيريا، بقيام منشقين ليبيريين مهاجرين تشكلوا تحت اسم منظمة الليبيريين المتحدين من أجل المصالحة والديمقراطية، تدعمهم غينيا، بشن الحرب على نظام تايلور، وشنوا حرباً انطلاقاً من الحدود الغينية، وكان موقف غينيا رداً على دعم ليبيريا برئاسة تايلور للمنشقين في غينيا، وللسبب نفسه اندفعت سيراليون لدعم منظمة الليبيريين المتحدين رداً على دعم تايلور للمنشقين في سيراليون.

شهدت تلك الفترة انضمام مختلف الجماعات المنشقة في إطار منظمة الليبيريين المتحدين، وقاموا بغزو ليبيريا انطلاقاً من غينيا، وبدعم عسكري ومالي منها، واندلعت المواجهات بين المنظمة ومقاتلين موالين لتايلور قام بتشكيلهم، ونشرهم، واستخدم تايلور في المواجهة مقاتلي الجبهة الوطنية الليبيرية، وهي تشكيل غير نظامي، إضافة إلى وحدات قتالية أخرى، أبرزها وحدة مكافحة الإرهاب، ولم تكن المواجهات في نطاق ليبيريا فقط، بل اندلعت في غينيا وداخل سيراليون. ولعب طرف أفريقي دوراً لتدعيم منظمة الليبيريين المتحدين، عبر عقد تحالف بينها وبين مليشيات صيد كاماجورس السيراليونية، وتم عقد التحالف بواسطة فريق الرصد التابع للجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا. وكان ذلك التحالف مهماً في تشكيل الليبيريين المتحدين من أجل المصالحة والديمقراطية. وفي هذا الصراع المتشعب، كانت البداية والضربات الأولى من جانب الجبهة الثورية المتحدة، وهي جبهة مسلحة كانت موالية لتايلور وللمنشقين في غينيا، وقد باشرت بشن هجمات في وقت واحد ضد غينيا، انطلاقاً من ليبيريا وسيراليون، لكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما بدأت قوات تايلور تتلقى الضربات، وتم دحر قواته إلى داخل سيراليون وليبيريا في يناير 2001.

وصارت حكومة تايلور تحت تهديد فعلي كبير، كما كانت في وضع صعب للغاية ضد 3 أطراف: المتمردين ممثلين في منظمة الليبيريين المتحدين، ونزاع متفاقم دخلته حكومة تايلور مع سيراليون وجمهورية غينيا بسبب دعمها لمنشقين في البلدين.

وكان تايلور هو الداعم الرئيسي لحركات معارضة ومنشقين في سيراليون وغينيا، بل اتهم أنه من أنشأ تلك الحركات والمنظمات في دول الجوار، بخاصة متمردي (SL)، والجبهة الثورية المتحدة، وهو ما جعله محل سخط أيضاً من جانب بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

وتبنت بريطانيا والولايات المتحدة حزمة عقوبات ضد حكومة تايلور. وفي مايو ٢٠٠١ أقر مجلس الأمن الدولي فرض عقوبات على ليبيريا أقل حدة، لكنها جعلت البلاد ونظام تايلور في عزلة، بالتزامن مع تقدم قوات المتمردين واقترابها من العاصمة الليبيرية مونروفيا. وفي فبراير ٢٠٠٢، كانت قوات الليبيريين المتحديين من أجل المصالحة والديمقراطية، على بعد 44 كيلومتراً من العاصمة مونروفيا، ووجد تايلور نفسه مرغماً على إعلان حالة الطوارئ، وزادت حركات التمرد ضد تايلور من الجنوب والشمال، وأخفق تايلور في القضاء على قوات المتمردين التي سعت للإطاحة بحكمه.

ترنح نظام تايلور نتيجة عوامل تضافرت معاً، أبرزها هجمات المتمردين على العاصمة مونروفيا، والعقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على نظامه بسبب تدخله في الحرب الأهلية في سيراليون، وأدت تلك العوامل مجتمعة في أغسطس ٢٠٠٣، إلى إعلان الرئيس الليبيري تشارلز تايلور تخليه عن السلطة، وغادر إلى نيجيريا.

ليبيريا تحت الفصل السابع

كان تنحي تايلور بعد شهر على تعيين مبعوث دولي خاص إلى ليبيريا، فمع تصاعد المواجهات في ليبيريا، وتحت مخاوف دولية من كارثة إنسانية جراء الاقتتال، أقر مجلس الأمن الدولي، في الـ8 من يوليو ٢٠٠٣، تعيين الأمريكي جاك بول كلاين ممثلاً خاصاً له في ليبيريا، وفى الأول من أغسطس 2003، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 1497، بإنشاء قوة متعددة الجنسيات في ليبيريا، وأعلن المجلس استعداده لإنشاء قوة استقرار تابعة للأمم المتحدة، وتنشر في موعد أقصاه الأول من أكتوبر 2003.

وفى 18 أغسطس 2003، وقعت الأطراف الليبيرية اتفاق سلام شامل في أكرا عاصمة غانا. وبمقتضى هذا الاتفاق طلبت الأطراف المختلفة من الأمم المتحدة نشر قوة حفظ سلام في ليبيريا بمقتضى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، لدعم الحكومة الانتقالية الوطنية لليبيريا، والمساعدة في تنفيذ اتفاق أكرا للسلام. ونص الاتفاق على تقاسم السلطة بين الفصائل المتحاربة والأحزاب السياسية والمجتمع المدني، وينص الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، على تدابير قسرية في حال تهديد السلم، تتراوح بين العقوبات الاقتصادية واستخدام القوة العسكرية. وبموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، يحق لمجلس الأمن الدولي اتخاذ قرار التدخل العسكري ضد أية دولة سواء كانت عضواً في الأمم المتحدة أو لم تكن.

حكومة انتقالية: اتفاق أكرا للسلام

نص اتفاق السلام الموقع في الـ18 من أغسطس ٢٠٠٣، بين أطراف النزاع الليبيري من مختلف الأحزاب والقوى المتصارعة الليبيرية، على إنهاء الصراع وانطلاق مرحلة ديمقراطية جديدة في البلاد. وخلال شهرين تشكلت حكومة انتقالية لمدة عامين، برئاسة جيود بريانت، في أكتوبر 2003، ضمت ممثلين عن جماعات المتمردين والحكومة السابقة وجماعات المجتمع المدني. وكانت مهمة الحكومة الانتقالية الإشراف على جهود إعادة بناء ليبيريا، وتهيئة البلاد لانتخابات ديمقراطية وحكومة جديدة. وفي نوفمبر ٢٠٠٥ شهدت البلاد انتخابات ديمقراطية تحت إشراف دولي، وفازت برئاسة البلاد إلين جونسون سيرليف، وهي اقتصادية من متدربي جامعة هارفارد، ووزيرة سابقة للمالية، كأول رئيسة في أفريقيا.

اعتبر المجتمع الدولي انتخابات ٢٠٠٥ في ليبيريا، أكثر الانتخابات حرية ونزاهة في تاريخ البلاد. ومع تسلمها السلطة، طالبت سيرليف بتسليم تايلور إلى المحكمة الخاصة بسيراليون لمحاكمته في لاهاي. وفي 2006، أنشأت حكومة ليبيريا لجنة لتقصي الحقائق والمصالحة لمعالجة الأسباب وجرائم الحرب الأهلية.

في مايو ٢٠٠٥، أقر البرلمان في ليبيريا إنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة تحت إدارة الحكومة الانتقالية، من 10 أعضاء، برئاسة جيروم جاي فيردير.

وعملت اللجنة بموجب أمر قضائي أصدرته رئيسة ليبيريا المنتخبة إلين جونسون سيرليف، عقب انتخابها في نوفمبر ٢٠٠٥. وخلال 5 سنوات قدمت لجنة الحقيقة والمصالحة الليبيرية تقريرها عام ٢٠٠٩، في ٤٠٠ صفحة، أوصى السلطات الوطنية باتخاذ الإجراءات اللازمة لمحاكمة المسؤولين عن الانتهاكات، ودفع تعويضات عن الأضرار “جبر الضرر”.

بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة

مقارنة بتدخل الأمم المتحدة في ليبيريا، يبدو المجهود الدولي في الملف اليمني متواضعاً وهامشياً وأقل فعالية. على أن إجراء مقارنة بين الحالتين تشير إلى أن اليمن يمضي ببطء في الطريق ذاته نحو تسوية سياسية تحت إشراف الأمم المتحدة. ترشدنا تجربة ليبيريا إلى الأثر الفعال للضغوط الدولية على الرئيس الليبيري السابق تشارلز تايلور، والتي أفضت إلى تخليه عن السلطة، ولاحقاً إلى مثوله أمام محكمة دولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وتجنيد الأطفال والتدخل في الحرب الأهلية في سيراليون.

كما تشير تلك التجربة إلى طبيعة التدخل الدولي بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ونشر قوات كبيرة العدد في ليبيريا. إن تفاقم النزاع في اليمن، رغم التوصل لاتفاقات كاتفاق ستوكهولم (ديسمبر ٢٠١٨)، وتأخر تنفيذ معظم بنوده حتى الآن، يستدعي تدخلاً أممياً فعالاً أكثر، وممارسة ضغط دولي بصورة أكثر حزماً.

كما أن إخفاق البعثة الأممية في الحديدة درس يجب أخذه بعين الاعتبار لفرض دور دولي بقوة أكبر بما يحول دون ترنح هذا الدور للأمم المتحدة، ورضوخه للأمر الواقع في منطقة حيوية على البحر الأحمر ومضيق باب المندب شديدة الأهمية للمصالح الدولية. ورغم إيفاد بعثة أممية إلى اليمن، ووجود مبعوث خاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، لم يشهد النزاع اليمني أي اختراق مهم نحو التسوية، باستثناء اتفاق تم مؤخراً خلال جولة مفاوضات في جنيف، لتبادل الأسرى، رعته الأمم المتحدة، ونجح في تبادل إطلاق سراح أكثر من 1000 أسير ومحتجز بين الحكومة الشرعية وجماعة الحوثيين.

في يناير ٢٠١٩ تقرر نشر بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة “أونمها”، بهدف دعم تنفيذ الاتفاق المتعلق بمدينة الحديدة وموانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، المنصوص عليه في اتفاق ستوكهولم الموقع بين الحكومة اليمنية الشرعية وجماعة الحوثيين الانقلابية، في ديسمبر ٢٠١٨. تأسست بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة في اليمن، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي 2452، بعد أيام على التوقيع على اتفاق ستوكهولم، في ديسمبر 2018، بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين.

تضمن اتفاق الحديدة وقفاً لإطلاق النار في الحديدة، وإعادة انتشار قوات الطرفين، وانسحاب المسلحين الحوثيين من موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، إضافة إلى بنود أخرى. ورغم انطلاق عمل البعثة الأممية للإشراف والرقابة على تنفيذ بنود اتفاق الحديدة، نجحت البعثة بصورة مؤقتة في الحد من عمليات المواجهات العسكرية في الحديدة، لكن المعارك في هذه المحافظة الساحلية غرب اليمن، تصاعدت في الآونة الأخيرة بشكل مكثف. في منتصف يوليو الماضي، قرر مجلس الأمن الدولي، بالإجماع، تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة، لمدة عام كامل.

وقد أعلنت الحكومة الشرعية أن عمل البعثة الأممية غير مجدٍ، بسبب فرض الحوثيين قيوداً على حركة رئيس البعثة الجنرال الهندي أبهجيت غوها، وأعضاء البعثة، كما تعرض رئيس سابق للبعثة لإطلاق نار في وقت سابق. وبسبب القيود المفروضة اضطرت البعثة للإقامة على متن سفينة تابعة للأمم المتحدة ترسو قبالة سواحل الحديدة في البحر الأحمر. تتألف البعثة من عدد محدود من الموظفين، وأسند إليها قيادة ودعم عمل لجنة تنسيق إعادة الانتشار في المدينة، بمساعدة موظفين من الأمم المتحدة، للإشراف على وقف إطلاق النار وإعادة انتشار القوات وعمليات إزالة الألغام على نطاق المحافظة.

إعادة تأهيل الجنود من الأطفال

في تقرير بعنوان “تحرير جيل الحرب في ليبيريا”، عن وضع الأطفال المحاربين السابقين في ليبيريا، على موقع يونيسف، الصادر في 5 فبراير ٢٠٠٧، كتبت سارة كراو أن “أكثر من 78011 ناشئاً ليبيرياً سبق لهم الانخراط المباشر في الصراع الذي دام قرابة 15 عاماً، تمّ نزع سلاحهم وتسريحهم جميعاً في الفترة بين ديسمبر 2003 ونوفمبر 2004″. و”قد اقترن الأطفال بجميع الأطراف في الحرب، فخدموا في الخطوط الأمامية، حيث استُخدموا كرقيق للجنس وعمال يدويين وحمّالين، وأُجبِروا على القتل ومواجهة الموت والعيش مع الكوابيس”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.