تعز – منال شرف:

لم تجد هناء الشرجبي، ما تواسي به نفسها خلال نزوحها المحتم، سوى جمع القطع التراثية الزاخرة بالقيم الشعبية والتاريخ الجميل.
وتحمل الشرجبي المهتمة بجمع أدوات الزينة والملبوسات الشعبية، إرادتها الصلبة لإحياء التراث اليمني والحفاظ عليه مع كل قطعة تجلبها من مختلف أرياف ومناطق محافظة تعز.
وقالت: “أشتري القطع من نساء كبيرات في السن، وأسر عريقة، ومن ثم أعيد إصلاحها وتشكيلها. القطع ليست كلها أصلية، ولكنّها تفي بالغرض”.
وتشارك الشرجبي بمجموعتها التراثية البسيطة، في المعرض التسويقي الثاني للمرأة المنتجة في تعز. وما يشد الانتباه الصورتان المعلقتان على جدران المساحة البسيطة المخصصة للشرجبي، داخل المعرض. صورة رمادية لبيتها المسلوب من قبل جماعة الحوثي، وأخرى تصف الجانب المشرق لحياتها “عسجتي غير”، وهو مشروعها الخاص ببيع ما تصنعه من عسجات وأزياء تراثية أو مختلطة حسب الطلب.
واتخذت الشرجبي من شغفها بالتراث مصدراً للرزق ووسيلة تقارع بها قساوة الحرب، بما تبتكره من تصاميم فريدة تجمع بين التراث والجديد، على أمل إعادة تقديم الماضي وإدراجه في قوالب تناسب مختلف الأذواق.

شعور بالمسؤولية

وتعكف زريقة عبدالرحمن (35 سنة) على بيع ما تخيطه من ملبوسات متنوعة. شعورها بالمسؤولية تجاه والديها وأبناء شقيقتها يشرح سبب اندفاعها الأولي للعمل، قبل أن تضيف الأقدار لرصيد مسؤولياتها رعاية أسرتها هي الأخرى.
وتقول: “شجعني زوجي على العمل بعد شراء مكينة خياطة لي. كنت أعمل لتوفير علاج أمي ورعاية أبناء أختي فقط، أما صرفيات البيت فكانت كلها على زوجي. لكن الحرب دمرت محله ومصدر رزقه الوحيد، وحملتني أعباء إضافية”.
من جهتها، قررت هدى الحكيمي تحسين ظروف أسرتها المعيشية، ومساندة زوجها العاطل عن العمل جراء نزوحهم المتكرر وانهيار منزلهم، من خلال دروس بسيطة تلقتها في كيفية صناعة الإكسسوارات والتطريز، على أيدي نسوة تعرفت عليهن بالصدفة.
لم يكن قرار هدى بالأمر السهل؛ ففي البداية قوبل بالرفض والاستهجان من قبل زوجها وإخوانه، وصولاً إلى التهديد بالطلاق، فيما نعتها المجتمع بـ”الدلّالة” عندما بدأت تجوب منازل جاراتها لبيع ما تصنعه، لكنّها اليوم أصبحت ترفض فكرة التخلي عن عملها في حال حصول زوجها على فرصة عمل تكفي احتياجاتهم.
ما تتمتع به هدى من نشاط وطموح يدفعانها لادخار أقل المبالغ علّها تتمكن من نقل حرفتها لابنها الصغير مستقبلاً، وبناء مشغل خاص بها.
وتؤكد هدى أنها تعمل لتثبت مدى قدراتها، وأنها صارت امرأة ذات قيمة داخل المجتمع، ولديها رغبة عارمة في المضي قدماً، وإن لم تمتلك شهادة جامعية تتيح لها شغل إحدى الوظائف.
ولا تتوقف الحاجة عند مجرد مبالغ مالية لدى من يقدرون المعنى الحقيقي للعمل؛ فبشرى عبدالله وجدت في صنعها للعطور والبخور ترويحاً عن النفس، ووسيلة لصرفها عن هموم الحياة، برغم مردودها المالي الضئيل، والذي لا يغطي سوى تكاليف قدومها من مفرق الضباب كل يوم، تقول: “الفلوس تروح لمشاويري فقط، لكنّي أحب العمل.. العمل عالج نفسيتي، وأنساني ما عانيته بسبب الحرب والنزوح”.
تتفق بشرى ورفيقاتها في أن الحاجة هي التي دفعت بهن للخروج إلى سوق العمل، إلا أنهن أصبحن يعملن اليوم بغية العمل نفسه، بعد أن تلمسن دورهن كمنتجات في المجتمع، وأهمية ما يقمن به في رفع المستوى الاقتصادي والمعيشي للبلاد؛ حيث بدأن العمل على وضع خطط مستقبلية لتنمية مشاريعهن الصغيرة، بما يضمن استمرارية الدخل.

مشغولات زينة وملابس من أعمال نساء فى تعز

رعاية الأبناء وتعليمهم

تعمل بشرى محمد في خياطة الملبوسات، منذ وفاة زوجها، لإعالة بنتيها وابنها الأكبر، وترى أن النساء المتعلمات هن الأكثر قدرة على الانخراط في نشاطات إنتاجية، والعثور على عمل وكسب دخل أعلى؛ لذا هي تسعى جاهدة لتعليم أبنائها الثلاثة حتى لا يمروا بنفس الصعوبات التي واجهتها، تقول: “بإمكان المرأة المتعلمة أن تفعل ما تريد، عكس المرأة غير المتعلمة. الناس لا تستخف بالنساء المتعلمات على أي حال، ولا تعرضهن للإهانة”.
وتعول هناء مهيوب ابنتين تشير إليهما في كل مرة تُسأل عن معاناتها؛ وعليها توفير احتياجاتهما، بعد أن تزوج زوالدهما من أخرى، ما دفعها للعمل كما تقول، مضيفة: “استعدت مهارتي في حياكة الصوف من موقع “فيسبوك”، وبدأت العمل عليها وعلى صناعة الإكسسوارات. لقد جعلني الشغل أتجاهل شجاراتنا الطويلة، وأركز على علاج البنتين ودراستهما”.
وأصيبت ابنتاها بشظايا قذيفة استهدفت الباص الذي كان يقلهن ليلة عرس أختها، إثر اندلاع اشتباكات مفاجئة. الحادثة تسببت بمشاكل عصبية متعلقة بالنطق والاستيعاب لدى البنت الصغرى، أما الأخرى فلاتزال شظايا عديدة تسكن أنحاء متفرقة من جسدها، الأمر الذي ضاعف من معاناة هناء، حسبما تقول.

عمل شاق ومردود ضعيف

يتطلب العمل في مجال الأشغال اليدوية، من النسوة المنتجات، وقتاً وجهداً عظيمين، فإلى جانب بيعها لإنتاجها اليدوي، تبذل المنتجة جهداً إضافياُ لتغيير تفضيلات المجتمع، وتخليصه من عقدة الانبهار والتمسك بكل ما هو منتج خارجي.
ويقول القائم بأعمال رئيس الجمعية اليمنية لتشجيع الإنتاج المحلي، خالد غيثان، إن المنتجات اليدوية تتعرض للتغاضي والتجاهل باعتبارها منتجات مهضومة لا تلقى أي رواج أو تشجيع، كما أن الفهم القاصر لدى الناس تجاه المعمولات اليدوية وجودتها، هو المتسبب في تقليل حجم الطلب والإقبال عليها رغم كونها تضاهي المنتجات الخارجية وتنافسها بنسبة 99٪.
ويضيف غيثان أن النسوة المنتِجات يشتكين قلة ما يكسبنه من وراء أشغالهن اليدوية مقارنة بالساعات الطويلة التي يقضينها في العمل على منتجاتهن؛ ويرجحن سبب ذلك لعدم امتلاكهن مشاغل خاصة بهن أو معارض دائمة لمنتجاتهن اليدوية يستطعن من خلالها كسب ثقة المستهلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.