صنعاء – عصام صبري :
كغيره من المحاصيل والمنتجات المحلية، مثل العسل والبُن والرمان والقطن واللوز، لم يكن محصول الزبيب اليمني بعيداً عن آثار الحرب الدائرة في اليمن منذ مارس 2015، إذ كان المزارع الواحد يبيع ما قيمته 30 مليون ريال، في الموسم الواحد قبل الحرب، فانخفض ذلك الرقم بنسبة تراوحت بين 50 و70%، خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بحسب مزارع العنب في مديرية بني حشيش شرق العاصمة صنعاء، عبدالكريم مصلح.
ويضيف مصلح لـ”المشاهد”: “أصحاب المزارع الصغيرة قد لا يحصلون على أي شيء من مزارعهم، حتى الخسارة التي يبذلونها منذ نضوج ثمرة العنب التي تبدأ عادة في يونيو من كل عام، لم يعوضوها”.
تتراوح خسائر المزارعين ما بين 40 و50%، مقارنة بما قبل الحرب، بسبب ارتفاع الكلفة المادية التي يدفعها المزارعون لرعاية أشجار العنب، بحسب تأكيد المزارع أحمد ناجي، في مديرية خولان.

تقلص المساحة المزروعة

ويؤكد تقرير وزارة الزراعة والري الخاضعة لسيطرة الحوثين، أن المساحة المزروعة بالعنب اليمني تقلصت بعد الحرب، إلى 1869 هكتاراً، في حين كانت المساحة المزروعة 13 الف هكتار، العام 2013.
وانخفض إنتاج مزارع العنب في 2015، إلى 146 ألف طن، وفي 2016 إلى 130 ألف طنً، فيما كان إنتاج مزارع العنب قبل الحرب، باقياً عند حدود 151 ألف طن، حتى نهاية العام 2014، وفقاً للتقرير ذاته.
وتتصدر محافظة صنعاء المرتبة الأولى من حيث المساحة المزروعة التي تقدر بألف هكتار، تنتج قرابة 80% من هذه الفاكهة، تليها محافظة صعدة شمال البلاد، بالإضافة إلى الجوف، وعمران، وحجة ومأرب.
وتتنوع أصناف الزبيب اليمني بين البياض، والجبري، والرازقي، والأسود، والعاصمي، وهي أنواع ينسب بعضها لأسماء المناطق، والبعض الآخر ينسب لنوع التربة، كما تشير مصادر وزارة الزراعة إلى أن أنواع الزبيب اليمني تصل إلى 50 نوعاً.

مشاكل أخرى فاقمت معاناة المزارع

صاحب الحرب، معاناة أخرى، مثل انعدام الديزل، وارتفاع سعره لدى توفره، ناهيك عن صعوبة مكافحة الآفات والحشرات الضارة بثمار شجرة العنب، وفق ما قاله المزارع ناجي.
ويضيف: “يخيم على مزارعي العنب هاجس انعدام مادة الديزل، وهي الفاتورة الأكبر التي يدفعها المزارعون بشراء المادة من السوق السوداء، بسعر وصل بشكل متوسط إلى 80 ألف ريال للبرميل الواحد سعة 200 لتر، إضافة إلى ارتفاع أسعار المبيدات، حيث عجز كثير من المزارعين عن إتمام الموسم، بعد جفاف مزارعهم، بسبب ارتفاع الكلفة المادية”، مؤكداً أن الأوبئة والحشرات التي تصيب مزارع العنب، تؤثر بشكل كبير على محصول الزبيب، حيث تهاجم أحد أنواع الحشرات الصغيرة المحصول قبل نضجه، خاصة في حال انعدام الأمطار، حيث تسبب تلك الحشرات بقعاً سوداء في الفاكهة، ما يجعلها غير صالحة للتجفيف، وهي مرحلة تمتد إلى شهرين لتحول العنب إلى زبيب.

استمرار تصدير الزبيب

وعلى الرغم من تقلص المساحة المزروعة بالعنب، إلا أن تصدير النوعية الممتازة من الزبيب ما زال مستمراً، ولا سيما إلى المملكة العربية السعودية، عبر تجار محليين يملكون علاقات مع تجار يمنيين وعاملين في محلات البهارات هناك، بل تعدى ذلك إلى تصديره إلى دول أخرى، كسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، بحسب المزارع عبدالكريم.
وعن طريقة التصدير في ظل الحرب، يؤكد عبدالكريم أن التجار المحليين يصدرون كميات كبيرة إلى السعودية، ثم إلى هذه الدول، إلا أن هذه الطريقة ليست بالصورة المنظّمة التي تعود بالفائدة على المحصول والمزارع بشكل خاص، كما يقول.
وإلى جانب تصدير النوعية الجيدة من الزبيب، حقق انتشاراً أوسع في كافة المحافظات اليمنية أيضاً، نتيجة تقلص دخول الزبيب المستورد من النوع (الصيني، الهندي، الإيراني)، خلال الحرب، والذي كان يغرق السوق المحلية بأسعاره المنخفضة، بسبب عدم اتخاذ الجهات المسؤولة عملية رقابة على استيراد الزبيب، كما يقول المزارع ناجي.
ويؤيده عبد الكريم بالقول: “الموسم السابق 2017، حافظ الزبيب اليمني على مكانته في السوق المحلية، وكان سعره معقولاً مقارنة بالسنوات الماضية، إذ وصل سعر النوع الممتاز منه إلى 2500 ريال للكيلو الواحد، لدى التجار، ما يعادل 5 دولارات، مقارنة بالعام 2013 الذي وصل سعر الكيلو الواحد إلى 6 آلاف ريال للنوعية الممتازة.
ويقول ناصر مسعد، مالك محل للبهارات في منطقة الحصبة (شمال العاصمة صنعاء)، إنه باع خلال موسم العيد الماضي، قرابة 12 كرتوناً من الزبيب المحلي، إضافة إلى بيع 3 كراتين من الزبيب المستورد، وكان سعر الصنفين متقارباً، ولأول مرة يحدث هذا الشيء.

العنب اليمني في النقوش القديمة

وردت في النقوش اليمنية القديمة شواهد ودلالات على الاهتمام بزراعة العنب في اليمن القديم، ومنها ما ذكر في نقش عبدان الكبير، في سياق المزروعات الموجودة، وهي 23 ألف شجرة، منها 6 آلاف شجرة سدر، وألفا شجرة بان، واختصوا منطقة عبدان بزراعة الكروم في 5 مواضع منها.
وذكر المؤرخ أبو محمد الهمداني، وجود أكثر من 18 نوعاً من العنب في وادي ظهر، بالقرب من صنعاء، وعدد أسماءها والمناطق التي تزرع فيها وتنتمي إليها، كما أشير إلى وجود أكثر من 40 نوعاً من العنب.
ويرجح أن رمزية العنب (الكروم) للشمس تعود لدورها في نموه ونضوجه وتحويله إلى نبيذ، كما زخرفت بها واجهات المباني وأبدان وتيجان الأعمدة، والصفائح الحجرية والرخام التي تستخدم لتغطية وتزيين جدران المباني من الداخل وفقاً للمؤرخ الهمداني.
ولم تتوقف فوائد الزبيب اليمني الذي يندرج تحت قائمة الفواكه المجففة، والتي يتم تحضيرها من ثمار فاكهة العنب، عند القيمة الغذائية، كأي غذاء آخر، بل تعدى ذلك إلى استخدامه علاجاً لكثير من الأمراض، كونه يقضي على أنواع من الفيروسات والبكتيريا، ويزيد من مناعة الجسم، وهي الفرصة التي لم تستغلها الجهات المسؤولة في الحكومات اليمنية المتعاقبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.