الحديدة – خالد الحميري:

تلوح في الأفق نذر مواجهة عسكرية جديدة بين الحوثيين والقوات الحكومية في مدينة الحديدة (غربي البلاد)، بعد فشل المساعي الأممية في تنفيذ اتفاق استكهولهم وسط اتهامات متبادلة من الطرفين بعرقلة تنفيذه.

يأتي ذلك وسط تحذيرات محلية ودولية من مغبة فشل تنفيذ اتفاق ستوكهولم الخاص بالهدنة في الحديدة والذي يعني العودة إلى مربع العنف والتدمير في المدينة المطلة على البحر الأحمر والتي تمثل شريان الحياة للملايين الذين يواجهون خطر الجوع.

تصعيد عسكري

واندلعت اشتباكات عنيفة بالأسلحة المتوسطة والثقيلة بين القوات الحكومية ومسلحي جماعة الحوثي على مدار اليومين الماضيين في الأحياء الشرقية والجنوبية من مدينة الحديدة وفي مديريات الدريهمي والتحيتا وحيس جنوبي المحافظة الساحلية.

واتهمت القوات الحكومية الحوثيين بشن هجومين على مواقعها في محيط مدينة الحديدة وأنحاء متفرقة من المحافظة في حين اتهمها الحوثيون بشن قصف عنيف بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة على حي 7 يوليو، وشارع الخمسين الذي يبعد حوالي 6 كيلومترات من ميناء الحديدة الاستراتيجي.

ويأتي التصعيد العسكري، بعد تعثر تنفيذ المرحلة الأولى من خطة إعادة الانتشار التي تقضي بانسحاب الحوثيين لمسافة خمسة كيلومترات من مينائي الصليف ورأس عيسى، وانسحاب القوات الحكومية لمسافة كيلومتر من مواقعها شرقي المدينة، وفتح طريق إلى مطاحن البحر الأحمر.

وأعلن الحوثيون في 25 من فبراير الماضي إرجاء تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق إعادة الانتشار في محافظة الحديدة إلى أجل غير مسمى، لرفضهم طلب رئيس لجنة إعادة الانتشار مايكل لوليزغارد عقد اجتماع بين المرحلتين الأولى والثانية وسط تبادل للاتهامات بين الأطراف بعرقلة تنفيذ الاتفاق.

خلاف أساسي

لم توضح بنود الاتفاق استكهولم هوية “قوات الأمن المحلية”، التي يفترض أن تتولى مهمة حفظ الأمن في ميناء ومدينة الحديدة مع انسحاب قوات الطرفين ماجعل من الخطوات التنفيذية لاتفاق الحديدة تحدياً عسيراً في ظل تباين تفسير الاتفاق من قبل الطرفين.

وتصر الحكومة اليمنية على أن تتولى الطواقم الأمنية والإدارية المؤسسات المحلية، وفقاً لما كان سائداً قبل سيطرة الحوثيين أواخر عام 2015، بينما يتشبث الحوثيون بضرورة تولي السلطة المحلية الموالية لهم في الحديدة إدارة هذه المناطق.

ويرى مراقبون أن رفض جماعة الحوثي التفاهم حول طبيعة السلطة التي سيتم تسليم الموانئ لها يؤكد نيتها تكرار سيناريو الانسحاب الأحادي من ميناء الحديدة عقب تسلم رئيس المراقبين الأمميين السابق في الحديدة باتريك كاميرت مهام عمله.

خيار الحسم

وينذر التصعيد الكبير للأعمال القتالية في المدينة الساحلية بنسف اتفاق استكهولم بخصوص الحديدة وعودة خيار الحسم العسكري مجدداً للواجهة خصوصاً مع تعثر الجهود الأممية والدولية في تنفيذ اتفاق السويد الذي وقعته الأطراف اليمنية منتصف ديسمبر الماضي.

وقال المحلل السياسي نبيل المصباحي إن التصعيد العسكري في مدينة الحديدة (غربي البلاد) ينبئُ بمواجهة مسلحة بين طرفي الصراع تهدد بانهيار اتفاق السويد بعد انسداد أفق الحل السياسي بسبب تعنت جماعة الحوثي وتنصلها من تنفيذ الاتفاقات.

وأوضح في حديثه لـ”المشاهد” أن خروقات الحوثيين المتكررة لوقف إطلاق النار وتكثيف الهجمات وقصف المواقع الحيوية وأماكن تمركز القوات الحكومية شرق المدينة وجنوبها تهدد بإسقاط الهدنة وتنذر بجولة جديدة من الحرب.

وعزا المصباحي تصاعد حدة الاشتباكات في الحديدة إلى رغبة جماعة الحوثي في تفجير الوضع العسكري تهرباً من التزاماتها المتعلقة بتنفيذ المرحلة الأولى من خطة إعادة الانتشار التي تتضمن إعادة الانتشار في ميناءي الصليف ورأس عيسى، ومن ثم ميناء الحديدة الاستراتيجي.

وأشار إلى أن الحوثيين أعادوا ترتيب صفوفهم بشكل جيد خلال الثلاثة الأشهر الماضية، وحفروا المزيد من الخنادق بالإضافة إلى دفعهم بالمزيد من التعزيزات إلى مدينة الحديدة وهو الأمر الذي يؤكد عدم جديتهم في تنفيذ الاتفاق.

ولفت المصباحي في ختام حديثه إلى أن اتفاق الحديدة أصبح في عداد الموتى بسبب مرواغات الحوثيين ويستحيل إنقاذه، مشيراً إلى أنه لم يعد لدى الحكومة اليمنية والتحالف العربي خيارات أخرى غير الحسم العسكري.

تهديدات متبادلة

وعلى وقع التصعيد القتالي في مدينة الحديدة الساحلية، حذرت الحكومة اليمنية من نفاد صبرها، وقال وزير الاعلام معمر الإرياني إن صبر الحكومة يوشك على النفاد جراء الخروق الحوثية التي تحولت، بحسب مصادر ميدانية، في الآونة الأخيرة، إلى هجمات مكثفة مدروسة بعناية، وليست مجرد تصرفات فردية من قبل عناصرها كما تدعي الجماعة الحوثية.

وقال المتحدث الرسمي باسم الجيش اليمني العميد ركن عبده مجلي إن الحوثيين لم يلتزموا بأي بند من بنود اتفاق السويد حول الحديدة وأن الجماعة تستهدف مواقع القوات الحكومية بشكل متكرر، مؤكداً أن الجيش اليمني محتفظ بحق الرد في أي وقت وبحسب الحالة التي يراها.

في المقابل، هدد وزير دفاع الحوثيين محمد العاطفي في تصريحات بثتها وكالة سبأ الخاضعة لسيطرة الجماعة، بتصعيد القتال في مختلف الجبهات، وقال إن لدى جماعته منظومة أسلحة جديدة مفاجئة لم تستخدمها بعد، وسيتم استعمالها في الأيام المقبلة، وفي الوقت المناسب.. بحسب قوله.

وجاء التهديد الحوثي بعد أيام من إبلاغ الجماعة مسؤولين أمميين في صنعاء تمسكها بوجودها الأمني والإداري وأجهزتها الانقلابية في الحديدة وموانئها، وعدم تسليمها للقوات الأمنية التابعة للحكومة اليمنية، أو للسلطات المحلية التي كانت قائمة في المدينة وموانئها قبل سيطرتها على المدينة أواخر ٢٠١٥.

تحذيرات بريطانية

وحذر وزير الخارجية البريطاني، جيرمي هنت خلال زيارته إلى عدن الأسبوع الماضي من أن اتفاق السلام بشأن مدينة الحديدة قد ينهار خلال أسابيع، وقال إن على جماعة الحوثي، سحب قواتها من ميناء الحديدة وتسليمه لطرف محايد لتجنب الحرب الشاملة.

وهاجم الحوثيون تصريحات هانت التي طالب فيها مسلحي الجماعة بإخلاء ميناء الحديدة وتسليمه لطرف محايد واعتبر محمد عبدالسلام، الناطق الرسمي باسم الجماعة، أن المطالبات البريطانية مخالفة لاتفاقات السويد التي لم تتضمن الإشارة إلى أي جهات محايدة.

وقال عبدالسلام إن اللافت في الأمر أن مبعوث الأمم المتحدة، كما يبدو، ليس مبعوثاً لهيئة الأمم المتحدة وإنما مبعوثاً إنكليزياً يمثل بريطانيا، خصوصاً بعد توضيح وزارة الخارجية البريطانية أهدافها وموقفها والذي ينسجم مع عرقلة الاتفاق.

من جانبه قال رئيس اللجنة الثورية العليا في جماعة الحوثي محمد علي الحوثي، إن تهديدات وزير الخارجية البريطانية جيريمي هانت بعودة الحرب التي لم تتوقف تؤكد النية المبيتة لتكرار معركة الحديدة، لافتاً إلى أن تصريحات هانت ليست اعتباطية، وإنما تكشف عن سياسة بريطانيا وأمريكا وتحالفهما في اليمن.

وراهنت الأمم المتحدة على الحل السياسي في الحديدة، وكانت آخر محطات هذه المساعي ما تم التوصل إليه في مشاورات السويد في 13 من ديسمبر الماضي، من اتفاق بين طرفي الصراع حول الحديدة يشمل وقفاً لإطلاق النار في كافة المحافظة وانسحاب جميع القوات المقاتلة من مينائها، إلا أن الجهود الأممية لم تفلح في تطبيقه على أرض الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.