المشاهد-خاص -معاذ الحيدري :
ليست حرارة الصيف الملتهبة ولا أزمة المياه، ولا الكهرباء، وحدها من تهدد حياة ابناء الحديدة الذين يواجهون ظروفا معيشية صعبة، وبائسة، منذ زمن بعيد، بل هناك ما يهددهم اليوم ربما بشكل أكبر، بعد اعلان التحالف العربي عن عملية عسكرية ستنطلق في الحديدة بهدف تحرير الميناء الذي اتهم قال ان جماعة الحوثي تستخدمه لتهريب السلاح. وتتزايد المخاوف على المدنيين، يوما بعد اخر، وسط توقعات ان يشن التحالف هجوما كبيرا ووشيكا على المدينة، وفي أي لحظة. ومنذ اسابيع، يدور جدلا سياسيا، وعسكريا محليا ودوليا واسع النطاق، حول انطلاق عملية عسكرية في ميناء الحديدة، المحافظة التي تقول جغرافيتها وطبيعة مناطقها الساحلية والبرية، ان عمل عسكري فيها يجب ان يكون مدروس ودقيق وخاطف، مالم فان الحرب على ارض الحديدة ستخلف أزمة إنسانية واقتصادية كبيرة وستنعكس الاثار على المدنيين المتناثرين على قرى ومناطق المحافظة. وفي حين ما يزال البعض يتوقع عدم حدوث عمل عسكري في الحديدة، يتوقع البعض الاخر، حدوثه وبترتيب عالي المستوى، وعلى ضوء كثير من المعطيات والمؤشرات على الارض.
ومعركة الحديدة، وفقا للتقديرات العسكرية، ووفق المؤشرات، لن تكن معركة مصيرية لميناء الحديدة والتحكم بالملاحة الدولية فقط، بل ستكون معركة مصيرية للحرب في اليمن بشكل عام.
بحكم اهميتها الاستراتيجية، وبحكم ان ميناء الحديدة هو المنفذ الوحيد الذي تبقى لجماعة الحوثي، وتحريره منهم يعني اسقاط أهم ورقة في حربهم واستمرارهم بها. ولهذا التحشيد بهذا الاتجاه والترتيبات والاستعدادات بخطط عسكرية واسعة النطاق من قبل الاطراف هي سيدة الموقف الان.
ولكن ما هي طبيعة الاستعدادات هذه وما هي رهانات وقوة كل طرف؟ وكيف ستنطلق هذه العملية وماذا عن مساراتها على مستوى البر والبحر والجو؟ هذا هو السؤال. الخطة العسكرية للتحالف والشرعية بالنسبة لطرف الشرعية والتحالف العربي، فهذا الطرف الذي يعتمد على الجو بدرجة رئيسية، يحضر في الحديدة في البحر، حيث يفرض طوقا وحصارا كبيرا، على بعض المنافذ.
ويطلق عمليات عسكرية في بعض الجزر اليمنية ويدفع بقيادة الشرعية برية نحو التقدم من اتجاهات عدة، خصوصا من اتجاه المخا وميدي، وهو يربط الوصول الى الحديدة من عدة منافذ وطرق. المسار العسكري في خطة التحالف، يظهر من خلال ضرباته الجوية على الجزر المقابلة لشواطئ الحديدة، مثل كمران، وزقر، وارخبيل، وحنيش، وعدد من الجزر اليمنية المتناثرة في سواحل البحر الاحمر وهي تابعة لليمن، كما ان التحالف يركز بضرباته على استهداف شواطئ النخيلة، اللحية، الجاح، الدريهمي، التحيتا، الخوخة، الطائف، الجاح، المنيرة، بني عباس.
وتقول مصادر عسكرية ميدانية، لــ “المشاهد” بان هناك استعدادات كبيرة للجيش الوطني والتحالف العربي، وحتى الان هناك 4 الوية عسكرية من القوات اليمنية، اضافة الى لواء خامس، من التحالف وهناك عتاد عسكري. وتوضح المصادر، ان الخطة العسكرية المرسومة، بان المديرية الساحلية الأولى، ستكون مديرية اللحية، اذا ما تجاوز الجيش والتحالف مديريتي ميدي وحرض، وهناك مديريات كعبس في محافظة حجه، وهذه لن تكون صعبة، كما تؤكد المصادر، التي تشير الى ان ما بعد ميدي سيكون الوضع العسكري، سهلا ومفتوحا لجيش الشرعية، خاصة اذا ما حدث اختراق او انزال للجيش في مناطق ساحلية الخوبة او اللحية والصليف وكمران، وهي مناطق ساحلية شمال مدينة الحديدة ، اضافة الى مناطق النخيلة والجاح والطائف في المناطق الجنوبية لمدينة الحديدة، وهذه ستربك جماعة الحوثي وستضاعف من تفكيك ما تبقى لهم من قوة عسكرية وعتاد ومقاتلين كما تحدثت المصادر لــ “المشاهد” عن التصور العسكري في ذهن التحالف وقوات الشرعية. الزحف نحو مدينة الحديدة، من الجبهة الشمالية ميدي ومن الجبهة الجنوبية المخا، هما مساران رئيسيان للتحالف الان للتوجه نحو الحديدة، إضافة الى البحر، الذي يتم من خلاله حصار وتطويق كبير وواسع، والى جانب ذلك الجو الذي يعتمد وسيعتمد عليه التحالف.
ولان الميناء مهم للشرعية والتحالف يرى البعض ان هناك اصرار لتحريره، رغم المحاذير التي تقول بان حربا في مدينة الحديدة، قد تتسبب بمشكلات تتعلق بالجانب الاقتصادي، على اعتبار ان ميناء الحديدة يمون 75% من سكان المحافظات الشمالية والغربية والشرقية بالغداء والدواء وكافة مستلزمات الحياة. الخطة العسكرية لجماعة الحوثي منذ اعلان التحالف العربي عن استعداداته وجاهزيته لهذه الجولة الجديدة، بدى الطرف الاخر في حالة ارباك وقلق، حيث بدأ يحشد الطاقات الشعبية والصحفية للتنديد بذلك معتبرا الاستهداف للميناء هو استهداف لغذاء الملايين من الناس الذي يعبر من هذا المنفذ.
وانطلقت مسيرة راجلة من صنعاء الى ميناء الحديدة تحت مسمى مسيرة الخبز، وبترتيب من بعض القائمين على سلطة صنعاء، إضافة الى التنسيق مع بعض الدول الخارجية للوقوف مع المطالبات بعدم الاستهداف للميناء، ويساندهم في هذا الاتجاه بعض المواقف المعلنة بين وقت واخر من قبل منظمات وهيئات دولية، واعتراض الأمم المتحدة ربما. هذا من جهة وعلى المستوى السياسي. من جهة ثانية، وعلى المستوى العسكري، تسعى جماعة الحوثي، نحو ترتيبات عسكرية لمواجهة الامر حال حدوثه، ويقول انه مستعدا للمواجهة وبإمكانات عسكرية ضخمة. مصادر عسكرية ميدانية في الحديدة لــ “المشاهد”، بان جماعة الحوثي تحشد لها عتاد عسكري وبشري كبير، من خلال عمليات التجنيد التي تتم في مناطق الحديدة، وهناك معسكرات تدريب، اضافة الى تعزيزها بمقاتلين من خارج المحافظة، هذا التعزيز للمقاتلين المرسلين من محافظات الى محافظة الحديدة أكدته مصادر مقربة من جماعة الحوثي وصالح في صنعاء لــ “المشاهد”.
وتتابع المصادر العسكرية حديثها لــ “المشاهد”، بان جماعة الحوثي وصالح، نقلوا العتاد العسكري الثقيل من سواحل الحديدة والمواقع العسكرية في بعض مديرياتها لأنها اصبحت مكشوفة امام طيران التحالف العربي، وبعد ان تعرض بعضها للتدمير، لذا نقل الحوثيون ما تبقى من الاسلحة الثقيلة الى سلسلة الجبال الغربية المطلة على محافظة الحديدة كجبال المحويت، وريمه، ووصابين بمحافظة ذمار، اضافة الى انها نقلت معسكراتها الى وديان هذه الجبال بعد ان تلقت ضربات موجعة وخسرت المئات من المقاتلين، والى جانب ذلك ضخوا كميات كبيرة من الأسلحة الى بعض مزارع ومناطق الحديدة وفي اكثر من اتجاه. والى جانب ذلك، تتحدث جماعة الحوثي عن امتلاكها صواريخ واسلحة بعيدة المدى، وأنها مستعدة للمعركة في حال قرر التحالف. تعقيدات وصعوبات المعركة وفي المقابل هناك خطط عسكرية تعجيزية وتعقيديه، منها ما تقوم بها جماعة الحوثي، حيث اكدت مصادر مقربة من قوات الشرعية، بان الحوثيين قاموا بزرع حقول الغام كثيفة في كثير من المناطق التي تحاول قوات الشرعية التقدم اليها او ستحاول عبورها.
حتى على مستوى البحر هناك الغام تزرع، حيث أعلنت قوات التحالف ذلك، وأكدت انها أطلقت عمليات نزع وتمشيط في أكثر من جزء من البحر. وعلى هذا المستوى أيضا أعلن التحالف العربي تدمير زورق حاول التسلل الى ساحل جازان. ما يعني ان هناك تحركات عسكرية هجومية قبل الدفاعية لجماعة الحوثي وعلى أكثر من مستوى، الى جانب ذلك التحركات التي تأتي كنوع من الارباك للطرفين. الحديدة كجغرافيا عسكرية ومن وجهة نظر مصادر عسكرية في تحالف الشرعية، فان اي تقدم نحو سواحل الحديدة والبدء في تحرير اول مديرياتها الجنوبية، وهي مديريتي الخوخة والتحيتا، ستكون مجازفة، ومغامرة غير محسوبة، ما لم يتم الاستيلاء على معسكر خالد الواقع، بين المخا وموزع، وهو مخزون استراتيجي عسكري كبير، يرفد جبهات الحوثيين باتجاه تعز والحديدة معا، وبالسيطرة عليه ستكون الطريق سالكة وسهلة، عدا حقول الالغام التي ستشكل عائقا، ويمكن تجاوزها بالكاسحات ان وجدت لجيش الشرعية والتحالف.
ولهذا السبب تستميت جماعة الحوثي وصالح عند معسكر خالد لمنع سقوطه، إدراكا عسكريا منها لسقوط المعسكر والهدف من ورائه. وتفيد معلومات عسكرية، انه لا يوجد معسكرات باتجاه الحديدة، سوى معسكر ابي موسى الاشعري، بالخوخة، تقول مصادر انه قد تم تدمير بعضه من قبل طيران التحالف العربي، ولم يعد به قوة كبيرة، والسيطرة عليه سيكون سهلا، حسب وبالتالي ستكون الخط العسكري سهلا باتجاه الجديدة من الساحل الجنوبي لمدينة الحديدة، والذي يبلغ 140 كيلو مترا تقريبا، قد يعترضها الالغام وبعض المقاتلين الذين سيكونون مكشوفين من الجو وستسهل الاباتشي والبوارج البحرية اخماد اي نيران على الارض.
وتقول المعلومات الميدانية في الحديدة، بانه هناك تخوفات من قصف المدينة المكتضة بالسكان بالصواريخ من الجبال المطلة على المدينة، والتي تحولت الى معسكرات الان وخنادق لجماعة الحوثي، ويتوقع مراقبون عسكريون، حدوث قصف من الجبال على المدينة، في حال انفجرت المعركة، بهدف تأليب الراي العالمي لإيقاف الحرب في هده المحافظة حسب تفسير عسكريون وسياسيون لــ “المشاهد”. ويرى هؤلاء المراقبون السياسيون والعسكريون، بان استمرار واطالة امد الاستعدادات ليس لصالح الشرعية، لان الوضع الانساني يزداد سوءا وتفاقما وكارثية، ونتيجة لذلك ولجملة الأسباب والتعقيدات المذكورة انفا، يقول المراقبون، لا بد ان تكون معركة الحديدة خاطفة وسريعة كما حدث في معركة المخا وبأقل التكاليف. معركة الحديدة كورقة ضغط للحل السياسي هناك من يرى ان معركة الحديدة قد تستمر في إطار التهديد والتطويق والمحاصرة، وستكون ورقة ضغط على جماعة الحوثي للقبول بالحل السياسي والعودة الى طاولة المفاوضات، الطاولة التي عجزت الأمم المتحدة والدول الراعية للسلام من احداث أي اختراقات على مستواها، فكلما تقدم مسار المفاوضات خطوة عادت الأطراف خطوتين الى الوراء والى التمترس في الميدان واستئناف المواجهات والمعارك. في حين يرى مراقبون بان المعركة صارت على وشك الانطلاق لكنها قد تتأخر الى حين يتم حسم معركة معسكر خالد ابن الوليد واحداث اختراق كبير على مستوى جبهات ميدي وحرض، وانه قد يكون شهر رمضان القادم، موعدا لانطلاق المعركة، حسب توقعات عسكريون تحدثوا مع “المشاهد” مستبعدين ان تكون المعركة كورقة ضغط للحل السياسي. المواقف الدولية بالنسبة للمواقف الدولية لمعركة الحديدة هي الأخرى متذبذبة بين مؤيد ومعارض وبين متحفظ، خصوصا فيما يتعلق بالموقف الأمريكي، الموقف الذي يعتبره التحالف العربي، موقفا مهما في مسالة الانطلاق بالمعركة، وهناك مواقف معلنة، تفيد بان تشارك أمريكا التحالف العربي في حال أصبحت المعركة واقع، وذلك من زاوية حرص أمريكا الكبير في البحر الأحمر، على مصالحها أولا وعلى امن الملاحة الدولية ثانيا، وقد تضطر بعض الدول من الالتحاق بهذا الاتجاه خوفا على امنها ومصالحها الدولية. ومن هذه الزاوية أيضا، يجب ان تكون معركة الحديدة خاطفة، أو هكذا سترى الدول الإقليمية والدولية، حتى لا يتحول البحر الأحمر الى ساحة معارك وبوابة امام الجماعات المسلحة والمتطرفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.